سوريا
عاجل

أسرار الليلة المظلمة: قصة عائلة أمينة في مجزرة الكيماوي بالغوطة

syria.tv٢١ آب ٢٠٢٦ في ٠٢:٥٣ ص0 مشاهدة
أسرار الليلة المظلمة: قصة عائلة أمينة في مجزرة الكيماوي بالغوطة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أسماء على الأكفان.. ليلة ابتلعت عائلة أمينة في الغوطة" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في اللحظة التي أُعلن فيها سقوط نظام بشار الأسد، لم يحضر إلى ذهني خبرٌ ولا مشهدُ احتفال، بل حضرت امرأة واحدة. كانت السيدة أمينة (اسم حركي)، المرأة التي فقدت عشرةً من أفراد عائلتها في مجزرة الكيماوي، والتي رافقتها لسنوات في جلسات التوثيق والتحقيق. في كل لقاء، كانت تعود إلى السؤال ذاته: "هل سيأتي يوم أرى فيه بشار الأسد ينال جزاءه؟" ثم كانت تختصر سنوات الانتظار والوجع بجملة واحدة: "ما رح يبرد قلبي حتى أشوف بشار الأسد معلّقاً أو ميتاً".

حين أُعلن الخبر، كان رقمها أمامي. نظرت إليه، ولم أجرؤ على الاتصال خوفاً من السؤال الذي لم أملك له جواباً، فكيف أقول لامرأة انتظرت محاسبة قاتل عائلتها فإذا به يهرب؟ مرّت الساعات حتى وصلني منها تسجيل صوتي قصير تقول فيه: "ابني يا وسيم... اليوم ارتاح قلبي، ويارب الخبر التاني نشوفه معلق بالمرجة". عندها فقط، أدركت أن سقوط النظام صار لحظة شخصية في حياة امرأة انتظرت حقها طويلاً.

أكتب هذه التفاصيل بصفتي ناشطاً ومسعفاً وشاهداً على تلك الليلة. في منتصف ليلة الحادي والعشرين من آب 2013، لم تستيقظ الغوطة على خبر مكتمل، بل على فوضى لا تعرف لها اسماً. تحولت البلدات إلى مساحة بحث واسعة، حيث عانت الغوطة من بداية حصارها وشح الوقود وغياب المواصلات، بينما كانت الأسئلة تتردد في كل شارع وعن مكان الأزواج والأبناء.

كانت السيدة أمينة بعيدة عن منزلها في زملكا تلك الليلة، إذ غادرت في العشرين من آب إلى مدينة عربين لزيارة أحد أقاربها المصابين. ونتيجة لصعوبة الاتصالات وانقطاع الطرق، أرسلت الشاب سامر إلى زملكا ليجلب لها جواباً عن عائلتها. مضت ساعات طويلة ولم يعد سامر، فلم تجد أمينة بدّاً من السير على قدميها نحو "طبية عربين" لعلها تجد من يعرف عائلتها.

في ركن الإسعاف بالقبو، رأت عشرات الأطفال ممددين تحت صنابير المياه، وأُغمي عليها من هول ما رأت. وحين استفاقت، اكتشفت وجود مستودع للجثامين، وهناك بدأت رحلة فتح الأكفان لتجد الشاب سامر قد عاد شهيداً بين ضحايا الكيماوي.

تابعت أمينة طريقها إلى بلدة حمورية لتعثر على زوجة ابنها الأول، منال (اسم حركي)، التي نادتها لأول مرة بـ"يا أمي". اطمأنت أمينة عليها وواصلت البحث في نقطة طبية أخرى لتصل إلى الفاجعة الكبرى؛ حيث عثرت على ابنها وأحفادها الثلاثة أمواتاً داخل الأكفان. وعادت لتجد منال قد فارقت الحياة أيضاً، لتصبح هي من تبقي أسماءهم محفورة في ذاكرتها.

لم تتوقف المأساة عند ذلك الحد، فمع طلوع شمس اليوم التالي وتجدد القصف، تابعت طريقها إلى سقبا بحثاً عن البقية. وحين عادت إلى زملكا، وجدت أن بيتها يلفه صمت ثقيل ورائحة موت. بدعم من الجار الناجي عثمان، فتحت الشقة لتجد زوجة ابنها الثانية وقد وضعت منشفة مبللة على وجوه أطفالها حماية لهم من الغاز، لكن السارين كان أسرع.

روى عثمان لاحقاً كيف وجد زوج أمينة وابنها متوفين بالقرب من المنزل وكتب اسميهما على أكفانهما. أما حفيد أمينة البالغ من العمر ثلاث سنوات ونصف، فقد نُقل إلى مشفى في دوما وبقي مفقوداً ثمانية أيام كاملة، قبل أن يُعثر عليه حياً، ليكون الناجي الوحيد من ليلة ابتلعت العائلة.

شارك الخبر: