رواية "كأن الريح تحتي": استنطاق الجسد السوري ليكون الوطن الأخير في وجه المأساة


هذا الخبر بعنوان "رواية "كأن الريح تحتي".. الجسد السوري في الوطن الأخير" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
حين سُلب السوريون بيوتهم ومدارسهم ومساجدهم ومقابرهم، بقي لديهم شيء أخير، الجسد، الذي يحمل بصمات الأماكن التي عبرها؛ رائحة الخبز في أصابع اليتيم، طرق المشي في عظام اللاجئ، لهجة الأم في صوت الابن، وطعم الماء في فم المسافر بين مدن لم تعد تشبه ذاكرتها. وإذا كان البيت هو ما نعرفه من جدران وسقف وعنوان، فإن الجسد يعرف ما نعرفه من رائحة ولهجة وندوب، ومن هنا تبدأ رواية "كأن الريح تحتي" للكاتب والإعلامي محمد أمين.
عنوان الرواية المقتبس من بيت المتنبي الشهير: "على قلق كأن الريح تحتي... أوجههها جنوباً أو شمالا". البيت الذي قال عنه محمود درويش إن كل ما أراد قوله في الشعر قاله المتنبي بنصف بيت، ويضع الكاتب نصه تحت سقف قلق إنساني يمتد من القرن العاشر إلى لحظة الزلزال الذي ضرب شمالي سوريا وجنوبي تركيا في شباط/ فبراير 2023.
ما يميز هذا النص أنه يطرح سؤالاً لافتاً بطريقة غير مباشرة: أي دور يلعبه الجسد في بقاء الوطن حين تضيع المدن والذكريات والهويات؟ وكيف يصير الجسد نفسه المعادل الموضوعي للأرض التي خسرها صاحبه، في عالم فقد كل العناوين ولم يبق فيه من خريطة سوى الجلد والعظم والذاكرة؟
وهنا يتقاطع النص مع ما طرحه الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في كتابه "جماليات المكان"، حين يرى أن "البيت ركننا في العالم.. إنه كوننا الأول"، معتبراً أن كل فضاء مأهول حقاً يحمل جوهر فكرة البيت الحاضن للأحلام. وإذا كان باشلار يؤصل لبيت الطفولة كملجأ نفسي أول، فإن الجسد في هذا السياق الأدبي يتحول ليكون هو ذلك "البيت الأول"، فالإنسان لا يسكن جداراً من حجر بقدر ما يسكن جسده الذي يحتضنه منذ ولادته، وكأن هذا الجسد يغدو بيتاً بديلاً حين تُفقد البيوت، والمكان الأخير المنيع الذي لا يملك أحدٌ تهجيره.
في التراث العربي القديم، يتردد صدى هذه الرؤية عند محيي الدين بن عربي في مقولته الشهيرة: "فالإنسانُ عالمٌ صغيرٌ، والعالمُ إنسانٌ كبير". وانطلاقاً من هذا المفهوم الصوفي، يمكن القول إن الإنسان يحمل في جسده أيضاً ذاكرة كل الأمكنة التي عبرها؛ وحين يُسلب المكان الجغرافي من صاحبه بقوة القهر، يبقى الجسد وحده شاهداً حياً على ما كان، ومرجعاً أخيراً لمن ضاعت عناوينه في منافي الأرض.
يتجلى هذا المعنى عميقاً في مشهد إخراج ندى من تحت الأنقاض بعد أيام من الحفر المضني؛ وهي لحظة تتجاوز واقعيتها المأساوية إلى دلالة رمزية تأسيسية، إن استعادة أنفاسها هنا هي إعادة تعريف حقيقية لمعنى الوطن؛ فالجسد الحي المستخرج من الركام هو الجغرافيا العصية على التقسيم، وهو البيت الأخير الذي يظل واقفاً حين تنهار كل الحواضر والبيوت. وفي هذا المشهد بالتحديد، تتكثف كل الحكايات التي رواها النص سابقاً من عتمة المعتقلات، إلى دوي البراميل المتفجرة، ومرارة النزوح لتصب كلها في مجرى واحد: لحظة أن يتنفس جسدٌ من جديد.
لا تقتصر فكرة الجسد في النص على المشاهد البطولية، فالنقيب "خالد الحمود" الذي تحول من قيادة الرجال في جبهات حلب وإعزاز إلى بائع للخضار في جنوب تركيا يحمل في يدين اعتادتا حمل البندقية الآن خضاراً وثمراً، والمسعفون من أمثال فرج وآرام يواصلون الحفر بأجساد منهكة. كما يحضر في النص جسد الأم الغائب من خلال صور "محمود"، إذ تصبح ذكرى الأم امتداداً لجسدها الذي لم يعد موجوداً، لتلتقي تفاصيل الحب الذي يربط محمود بـ "ندى" بذكرى أمه الأولى التي منحته حب الحياة وأورثته إيقاع الصحافة في عروقه.
تغمر النص تفاصيل حسية تكشف عن وعي دقيق بالجسد السوري وأثر الأماكن فيه، فرائحة الشاي في أزقة الغربة، ودفء الدخان المتصاعد من مواقد المخيمات، وبرد الأنقاض تحت المطر، وعرق المسعفين ودموعهم المتجمدة في العيون، ورنين صوت أم كلثوم، وأغاني محمد فوزي، وروائح الخبز في ساعات الفجر الأولى، تؤكد أن الجسد يتذكر بطريقة لا يفعلها العقل؛ إنه يعرف دمشق في صوت فيروز قبل أن يعرفها في خرائط الجغرافيا، ويعرف حلب في رائحة الخبز قبل أن يعرفها في كتب التاريخ.
تتجلى ملامح التضامن الإنساني في التفاصيل الصغيرة التي يصنعها النص، فكسرة الخبز التي يتقاسمها ناجٍ مع ناجٍ، رشفة الماء التي يمررها أحدهم إلى آخر، نظرة تشجيع قصيرة وسط الخطر الشديد، تحول البقاء إلى فعل جماعي مشترك. ويتقاطع هذا الانشغال بالجسد مع ما عاناه السوريون منذ 2011، فالبراميل المتفجرة كانت تستهدف الجسد قبل الحجر، والمعتقلات كانت تذيب الجسد في زنزاناتها، والنزوح كان يفرض على الجسد مسافات لا تطاق.
يبقى اختيار العنوان من بيت المتنبي مفتاحاً لفهم هذا الانشغال بالجسد، فالقلق الذي يهب تحته يستحيل قلق إنسان يقف حافياً على أرض تفقده ثباته، قلق من يكتشف أن جسده هو ما تبقى من كل شيء، وفي ذلك تأويل ضمني للنص بأكمله: الجسد هو الوطن الأخير، بيتاً لا يسكنه إلا صاحبه، يكفيه أن يبقى على قيد الحياة، وأن يحتضن ما تبقى من ذاكرة ووطن.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة