سوريا
سياسة

جذور أزمة المشرق العربي: قراءة تحليلية في الهندسة الجيوسياسية والاستبداد وأفق التحالفات الجديدة

حرية برس٥ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٦:٤٥ م0 مشاهدة
جذور أزمة المشرق العربي: قراءة تحليلية في الهندسة الجيوسياسية والاستبداد وأفق التحالفات الجديدة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "في أصل اضطراب المشرق وخراب أحواله" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أثار توقيع السعودية وباكستان وتركيا على حلف مكة الدفاعي تفاؤلاً كبيراً في منطقة لم تعرف الاستقرار منذ انهيار السلطنة العثمانية في بدايات القرن الماضي. يسعى هذا الحلف للردّ على أحد مصادر الأزمة التاريخية التي تعيشها المنطقة منذ تشكيلها في مطلع القرن الماضي على مقاس السيطرة الغربية وخدمة لمصالحها، مما جعل حياة شعوبها مأساة حقيقية مزروعة بالحروب الخارجية والصراعات الداخلية والأزمات والانهيارات المتعاقبة.

يمكن رصد ثلاثة عوامل رئيسية لفهم كيف تحول المشرق إلى منطقة زلازل وبراكين وانفجارات لا تخمد:

الهندسة الجيوسياسية للدولة المعاقة

العامل الأول بنيوي، نابع من الهندسة الجيوسياسية التي رسمت حدود الدول ووزّعت مواردها الطبيعية والبشرية، وهي الخريطة التي فرضتها الدول الاستعمارية في نهاية الحرب العالمية الأولى لإنتاج "الدولة المعاقة" التي تشكل عبئاً على شعوبها. وفي المشرق، تم زرع لغم "الوطن القومي اليهودي" الذي اخترعته بريطانيا الاستعمارية لتفرض أجندتها وتمسك بقرار المنطقة، وليست المذبحة الفلسطينية المستمرّة إلا إحدى نتائج هذه الخريطة الجيوسياسية. وواشنطن التي ورثت هذه الخريطة لم تكف عن استعمال الدول الجديدة بيادق شطرنج في صراع النفوذ.

إن هذا الوضع جعل المنطقة مصدراً أول للصراعات على السيطرة، سواء بين إسرائيل والطامحات الإقليمية والدول العربية نفسها، خصوصاً مع امتلاك المنطقة لأكبر احتياطيات الطاقة الأحفورية وغياب أي قوة ذاتية تستطيع حماية هذه المصالح.

زعزعة الاستقرار سياسة مدروسة

العامل الثاني سياسي؛ حيث كان منع الاستقرار وزعزعته سياسة مدروسة من القوى الغربية وإسرائيل وبعض الدول الإقليمية. يفسر ذلك تقويض التحالف الغربي لأي مبادرة عربية للوحدة، مثل الدعوة المصرية عام 1944 لإقامة اتحاد عربي، والمشروع العراقي لتشكيل اتحاد سوري عراقي، حيث تم تحويل "جامعة الدول العربية" بمساعي لندن إلى منظمة منزوعة الصلاحية لتكريس الوضع القائم وتجنب أي اتحاد حقيقي.

وتكرر الأمر عام 1958 عند إعلانات الوحدة بين مصر وسورية، حيث اعتبرت العواصم الوحدة تهديداً استراتيجياً وتم القضاء عليها عبر الانقلابات. ولاحقاً جرت حروب استهدفت العراق ومصر وسورية، وصولاً إلى التدخلات والتمدد الإيراني وانتفاضات الربيع العربي وما نتج عنها من حروب أهلية وإبادة في غزّة وعموم فلسطين وسورية.

السلطة المطلقة وتغييب الشعوب

العامل الثالث اجتماعي يتعلق بالنخب السياسية العربية المتعاقبة منذ نهاية القرن التاسع عشر والتي كرست الاستبداد الشخصي والمطلق. لقد اصطدمت جميع محاولات الوحدة والتعاون برفض النخب الحاكمة التخلي عن سيادتها الفردية، فالاستبداد والتبعية الخارجية وجهان لمعادلة واحدة: كلما اشتد القمع زادت الحاجة للحامي الخارجي. وحلّ الزعيم محل الرئيس المنتخب، والجمهور الموالي محل الشعب الحر.

هذا الوضع جعل الأنظمة تخشى شعوبها أكثر من عدوها الخارجي، فاستبدلت التنمية بقمع المعارضة. واليوم، تفتح زعزعة مواقع "البغاة/ الحماة" السابقين نافذة فرص للتغيير، ومن هنا جاء "حلف مكّة" لبناء معادلة إقليمية جديدة تعوض النقص وتعطي هامشاً للمبادرة، لكن تحقيق الاستقرار يتطلب بناء قدرة عربية ذاتية حقيقية.

شارك الخبر: