“الكرسي”: من موعظة المسيح إلى صرح بيزنطي شامخ في الجولان


هذا الخبر بعنوان "“الكرسي”.. مقعد المسيح الذي تحول إلى حضارة بيزنطية في الجولان" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في موقع يُعتقد أنه شهد جلوس السيد المسيح وإلقاء موعظته الشهيرة، تحول هذا المكان، المعروف بـ “الكرسي”، إلى شاهد على الحضارة البيزنطية التي ازدهرت في الجولان السوري قبل ألفي عام. تكشف بقايا الدير الكبير والسور المحيط به والبوابة الرئيسة في الجدار الغربي، المدعومة ببرج من طابقين وشارع مرصوف يمتد إلى ساحة الكنيسة، عن حقبة بيزنطية عاشت على الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا.
تتجاوز المنطقة هذه الآثار لتشمل صفوفًا من الأعمدة التي تحيط بساحة الكنيسة، والتي بدت في مرحلتها الأولى كأروقة مفتوحة قبل أن تُغطى لاحقًا، ولم يبقَ منها سوى الرواق الشرقي. وفقًا لكتاب “المسيح في الجولان.. تاريخ وآثار” للباحثين تيسير خلف وعز الدين سطاس، كشفت عمليات المسح والتنقيب عن آثار تعود إلى العهود الرومانية والبيزنطية، مما يشير إلى أن الموقع لم يكن مجرد مكان عبادة، بل مركزًا دينيًا وحلقة وصل بين العالمين المسيحي والإسلامي، مؤكدًا دوره الحضاري في تاريخ المنطقة.
كانت فكرة تخليد “معجزة الخنازير” (إخراج الشياطين من جرجسة) الدافع الأساسي لإقامة الدير والكنيسة، مما جعل الموقع مزارًا للحجاج المسيحيين منذ أقدم العصور. وفي عام 2000، زار بابا الفاتيكان يوحنا بولس السادس المنطقة وأقام قداسًا دينيًا من أعلى التل الذي يُقال إن السيد المسيح ألقى منه موعظة الجبل.
“جرجيسيا” في العهد الجديد
يشير الباحث في الآثار فارس الصفدي إلى أن قرية الكرسي في الجولان السوري المحتل كانت تُعرف في العهد الجديد بـ “جرجيسيا” (gergesa)، وهي الموقع الذي شهد “معجزة الخنازير”. تحتوي المنطقة أيضًا على آثار رومانية، بما في ذلك غرف مربعة مبنية بالحجر البازلتي و”الملاط”، بالإضافة إلى كهوف طبيعية. ذكر الطبري أن المسيح جمع الحواريين بها وفيها موضع الكرسي الذي جلس عليه.
أوضح الصفدي أن السيد المسيح شفى في هذا المكان الرجل المجنون ومريض البرص، وأطعم ألف شخص، وأرسل تلميذه بطرس لنشر المسيحية في القرى المجاورة. تضم المنطقة آثارًا بيزنطية مسيحية تعود للقرن الخامس الميلادي، بما في ذلك دير الرهبان وأرضيات فسيفسائية في البازيليكا.
مجمع الدير والكنيسة البيزنطية
يُعد دير الكرسي من أكبر المجمعات الرهبانية المكتشفة في المنطقة، ويتميز بتخطيط هندسي متقن يضم كنيسة ضخمة. تنقسم الكنيسة داخليًا إلى ثلاثة أروقة تفصل بينها 12 عمودًا رخاميًا بتيجان كورنثية مزينة بالصلبان. يحيط بالدير سور حجري ضخم لحمايته، وكان يضم غرفًا للرهبان والحجاج.
يتجلى الجمال الفني في سجاد الفسيفساء الملون الذي يغطي أرضيات الكنيسة، والذي يدمج بين الرسومات الهندسية والزخارف النباتية، بالإضافة إلى لوحات فسيفسائية تصور الحيوانات والطيور، مثل زوج من الحمام عند بوابة إحدى الغرف الشمالية.
وُجدت أرضيات مرصوفة بكتابات باللغة اليونانية القديمة تعود لعام 585م، توثق أسماء القائمين على الدير مثل رئيس الدير الأول، ستيفانوس. تشمل المعالم الدفاعية المحيطة بقايا أسوار القلعة، ونفقًا أرضيًا للتنقل الآمن، وبرج مراقبة لحماية المجمع الديني ورصد الساحل.
كشفت التنقيبات عن حوض تعميد أثري متكامل ومغارة لدفن الرهبان.
الموقع والتسمية
تقع قرية الكرسي في منتصف الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا، وتتبع إداريًا لبلدة البطيحة. كانت القرية تضم نحو 428 نسمة قبل تهجير أهلها عام 1967. تختلف الآراء حول أصل اسم الموقع، فمنها ما يعيده إلى الكلمة الآرامية “كورسا” (الكرسي)، ومنها ما يربطه بكلمة “خنزير” باليونانية ومعجزة الخنازير، ومنها ما يرجح العامل الجغرافي لوجود جرف صخري يشبه الكرسي.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة