إسرائيل وإيران في مقدمة التهديدات لأمن سوريا: تحليل معمق لنظرة السوريين


هذا الخبر بعنوان "إسرائيل وإيران في صدارة التهديدات لأمن سوريا.. كيف يقرأ الخبراء نظرة السوريين؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أظهر استطلاع "المؤشر العربي في سوريا" لعام 2026 تصدّر إسرائيل لقائمة الدول التي يعتبرها السوريون التهديد الأكبر لأمن بلادهم، حيث ارتفعت نسبة من اختاروها من 55% في عام 2025 إلى 61% في العام الحالي. بالتزامن مع ذلك، شهدت نسبة اعتبار إيران التهديد الأكبر ارتفاعًا من 14% إلى 20%، بينما بقيت نسبة تركيا ثابتة عند 6%، وارتفعت نسبة الولايات المتحدة من 4% إلى 5%. تثير هذه النتائج تساؤلات حول العوامل المؤثرة في نظرة السوريين إلى مصادر التهديد الخارجي، ومدى ارتباطها بالتدخلات العسكرية والسياسات الإقليمية، بالإضافة إلى تأثير التحولات الداخلية في سوريا بعد سقوط النظام السابق.
يرى الكاتب والباحث السياسي حسين عمر أن تصدّر إسرائيل للقائمة يعكس واقعًا أمنيًا وسياسيًا يتمثل في احتلالها أجزاء من الأراضي السورية. ومع ذلك، يشير إلى أن ترتيب مصادر التهديد قد يختلف بين المناطق والمكونات السورية، تبعًا للتجارب والمخاوف الخاصة بكل منها. ويوضح عمر أن نظرة السوريين إلى مصادر الخطر لا تنفصل عن الانقسام المجتمعي والسياسي الداخلي، وما يصاحبه من مخاوف لدى مكونات مختلفة بشأن مستقبلها وموقعها في الدولة. وقد تنظر بعض المكونات إلى تركيا باعتبارها التهديد الأبرز، خاصة قطاعات من سكان السويداء والكرد والعلويين، نظرًا لمواقف تركيا وتدخلاتها في الملف السوري.
ويشدد عمر على أن التركيز على ترتيب الدول الخارجية لا ينبغي أن يحجب مصادر الخطر الداخلية، مثل غياب دستور مدني يضمن المساواة، وانتشار السلاح خارج المؤسسات، وتصاعد الخطاب الطائفي، واتساع فجوة الثقة بين المكونات الاجتماعية والسلطة. ويربط بين استمرار الانقسام الداخلي وقدرة الأطراف الخارجية على التأثير في سوريا، معتبرًا أن ضعف الثقة يتيح للدول الإقليمية استثمار الخلافات القائمة، مما يجعل التهديدات الخارجية أكثر قابلية للتحول إلى وقائع على الأرض. ويؤكد عمر أن بناء الوحدة الوطنية يتطلب دستورًا مدنيًا تعدديًا، وأن معالجة الانقسامات الداخلية شرط أساسي لمواجهة مصادر التهديد الخارجية.
من جهته، يرى الباحث السياسي محمد حمادة أن استمرار تصدّر إسرائيل وإيران لقائمة التهديدات يرتبط بطبيعة مختلفة لمصادر الخطر التي تمثلها كل منهما. فإسرائيل تمثل خطرًا خارجيًا مباشرًا ومستمرًا على السيادة والأراضي السورية، بينما ترتبط صورة إيران بالتدخل الإقليمي الذي ترك آثارًا في البنية الاجتماعية والسياسية والأمنية. ويعزو حمادة ارتفاع نسبة اعتبار إسرائيل التهديد الأكبر إلى استمرار التوغلات والاعتداءات العسكرية الإسرائيلية واحتلال الأراضي السورية، مما يجعل التهديد حاضرًا في إدراك المواطنين. كما أن المواقف الرافضة للاحتلال والصراع العربي الإسرائيلي تشكل جزءًا من الوعي الجمعي السوري والعربي.
فيما يتعلق بإيران، يربط حمادة ارتفاع نسبة اعتبارها تهديدًا باستمرار آثار تدخلها السابق، رغم تراجع وجودها العسكري المباشر. فقد تركت سنوات التدخل الإيراني آثارًا في المجتمع السوري، من خلال ما وصفه بالتجريف المجتمعي والاستقطاب الطائفي وتدمير المؤسسات. ويرى أن تصورات التهديد لا تتشكل بالاستناد إلى الوجود العسكري المباشر وحده، بل تتأثر أيضًا بالنوايا المحتملة للدولة وقدراتها وأيديولوجيتها، والمخاوف من عودة نفوذها بأشكال غير مباشرة.
ويوضح حمادة أن تصورات المواطنين تتشكل من تداخل التجارب المباشرة مع الخطاب السياسي والإعلامي. فالغارات والقصف والتهجير وفقدان السيادة تجعل التهديد ملموسًا، بينما يؤدي الخطاب الإعلامي والسياسي دورًا في تفسير هذه التجارب وتحديد الجهات التي ينظر إليها باعتبارها مصدرًا للخطر. ويرى أن نتائج الاستطلاع تعكس استجابة الرأي العام للتطورات الميدانية والسياسية، لكنها لا تكفي وحدها للجزم بحدوث تحول استراتيجي مستقر في اتجاهات السوريين.
من جانبه، يرى الباحث القانوني والسياسي ماهر التمران أن نتائج المؤشر العربي لعام 2026 تكشف عن تحول في الوعي الأمني السوري، من التركيز على مصادر الخطر المرتبطة ببقاء النظام السابق وصراعات المحاور، إلى التركيز على مستقبل الدولة السورية وسيادتها ووحدة أراضيها. ويقول التمران إن تصدّر إسرائيل القائمة يعكس تجربة مختلفة مع التدخل الخارجي، حيث تمثل تهديدًا يتجدد بفعل التوغلات العسكرية ومحاولات فرض ترتيبات أمنية. بينما ترتبط إيران في الذاكرة السياسية السورية بتجربة اختراق بنية الدولة وبناء شبكات عسكرية وأمنية موازية.
ويضيف التمران أن السوريين لم يعودوا يقيسون التهديد بحجم الوجود العسكري الأجنبي فحسب، بل بمدى تأثير سياسات الدول في استقلال القرار السوري وقدرة الدولة على استعادة مؤسساتها. ويعتبر أن ارتفاع نسبة اعتبار إسرائيل التهديد الأكبر يكشف مفارقة سياسية، إذ أتاح سقوط نظام الأسد فرصة لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية، لكن السلوك الإسرائيلي اتجه نحو توسيع التدخلات. ويرى أن التهديد الاستراتيجي لا يقتصر على الاحتلال أو الاعتداء العسكري المباشر، بل يشمل أيضًا منع الدولة السورية من استعادة قدرتها على ممارسة سيادتها.
أما ارتفاع نسبة اعتبار إيران تهديدًا رغم انحسار وجودها العسكري، فيكشف، وفق التمران، استمرار أثر الذاكرة السياسية. فالتدخل الإيراني لم يكن عسكريًا فقط، بل امتد إلى بنية الدولة والمجتمع. ومع ذلك، يشدد الباحث على ضرورة التمييز بين رفض السياسات الإيرانية وبين تبني موقف عدائي دائم من إيران كدولة. ويحذر التمران من أن مقارنة استطلاعي 2025 و2026 لا تكفي للجزم بحدوث تحول مستقر في الرأي العام، ما لم يتم التأكد من تماثل العينات وأدوات القياس والتوزيع الجغرافي. ويبرز أهمية التمييز بين إدراك التهديد والموقف من التواصل السياسي.
نفذ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الاستطلاع بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، كجزء من استطلاعات المؤشر العربي لعام 2026. وأُجري الاستطلاع على عيّنة طبقية عنقودية متعددة المراحل، بلغ حجمها 3600 مستجيب ومستجيبة، تمثل المجتمع السوري في محافظاته كافةً وبمختلف تكويناته الاجتماعية والاقتصادية، بمستوى ثقة بلغ 98% وهامش خطأ يراوح بين ±2 و3%. وجرى العمل الميداني على مدى 17 يومًا، من 28 أيلول إلى 15 تشرين الأول 2026.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة