سوريا
سياسة

قانون الجنسية السورية: بين النوايا الإنسانية والمخاطر السيادية.. هل الحل في الإجراءات التنفيذية؟

جريدة الوطن٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٢ ص0 مشاهدة
قانون الجنسية السورية: بين النوايا الإنسانية والمخاطر السيادية.. هل الحل في الإجراءات التنفيذية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تعديل قانون الجنسية السورية: مخاطر الاستعجال التشريعي وأولويات المعالجة التنفيذية" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يعود ملف حق المرأة السورية في منح جنسيتها لأبنائها إلى واجهة النقاش مجدداً، مدفوعاً بجهود حقوقية ونيات إنسانية تسعى لتخفيف الأعباء القانونية والمعيشية عن أبناء وبنات السوريات. وعلى الرغم من تعاطف أي مراقب منصف مع هذه المطالب ودعم كرامة المرأة السورية وحق أسرتها في الاستقرار، فإن تحويل هذا التعاطف إلى مشروع قانون يتطلب وقفة هادئة. فالسياسات العامة والتشريعات المتعلقة بالهوية الوطنية والنظام العام لا تبنى على المشاعر وحدها، بل تستلزم قراءة نقدية للواقع، وحسابات الأمن القومي، والقدرة المؤسسية للدولة السورية الجديدة.

تكمن المشكلة الأساسية في المقاربات المتداولة حالياً في الخلط بين مستويين متباينين في التشريع: المستوى الإنساني الخدمي، والمستوى السياسي السيادي. ولمقاربة هذا الملف بعلمية واتزان، لا بد أولاً من تحرير الدافع الأساسي لطرح هذا التعديل في هذا التوقيت الاستثنائي والمعقد.

أولاً: الدافع الدستوري وحسابات المواطنة

عندما يُطرح تعديل قانون الجنسية بوصفه ترجمة لمبدأ المواطنة المتساوية ورفض التمييز على أساس الجنس، فإننا نتحدث عن استحقاق دستوري وسيادي بالغ الحساسية. فقانون الجنسية (المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969) هو الأداة التشريعية الأساسية التي تعرّف شعب الدولة وتحدد هويتها السياسية والديموغرافية. والإقدام على خطوة تشريعية بهذا الوزن في دولة لا تزال تحت آثار الحرب يصطدم بثلاثة موانع جذرية تحكم الواقع السوري الراهن:

  1. غياب البيانات الوطنية والإحصاءات الموثوقة: لا توجد دراسات إحصائية أو بيانات وطنية دقيقة توضح حجم الشريحة المستهدفة، أو توزيعها الجغرافي، أو عدد النساء السوريات المتزوجات من غير سوريين وجنسيات أزواجهن، أو عدد الأبناء المقيمين داخل البلاد مقارنة بالموجودين في الخارج، أو التوزيع العمري لهم، وأعداد القاصرين والبالغين، أو نسبة من يملكون جنسية أخرى، أو يحملون جنسية الأب فعلياً مقابل من يفتقرون إليها تماماً. والتشريع من دون إحصاءات وبيانات واضحة هو مخاطرة تشريعية غير محسوبة العواقب، تفتقد للأساس المنهجي والواقعي، وتفتقر لأبسط معايير دراسة الأثر التشريعي على المستويات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والديموغرافية، وسوق العمل.
  2. السيولة الأمنية وتشظي السجلات المدنية: شهدت سوريا زلازل ديموغرافية وأمنية غير مسبوقة، من تدفق للمقاتلين الأجانب، ووجود لقوى إقليمية ودولية متعددة، وفوضى في السجلات المدنية، وغياب مركزية التوثيق، حيث تفرقت القيود والبيانات المدنية بين سلطات الأمر الواقع، ما أفرز أربعة سجلات مدنية منفصلة تماماً، لا يمكن الجزم بمدى صحتها وموثوقيتها. إن فتح باب التجنيس الشامل تحت هذه الظروف الهشة يفتح ثغرات أمنية هائلة، لا سيما مع عدم كفاية أجهزة الدولة في التدقيق الأمني، وإجراء التحقق من صحة شهادات النسب والولادات، ومخاطر التزوير والاحتيال الناتجة عن فوضى سنوات الحرب. تضاف إلى ذلك إشكالية ازدواج الجنسيات للأبناء المولودين لآباء يرتبطون بجهات أو دول معادية للدولة السورية.
  3. نقص الشرعية التمثيلية وغياب الضرورة التشريعية: تعديل القوانين الناظمة للهوية الوطنية وقضايا المواطنة مكانه الطبيعي برلمان كامل الشرعية وهيئات دستورية منتخبة، في ظل بيئة سياسية مستقرة وموحّدة، ولا يمكن استيلاده في ظل مؤسسات تعيش مرحلة انتقالية. ومن جهة أخرى، تفرض العملية التشريعية الموازنة الصارمة بين التشريعات والاحتياجات. وهنا يبرز السؤال المركب: ما مدى الضرورة التشريعية لقيام البرلمان الحالي بسن قوانين سيادية بهذا الحجم والأثر الديموغرافي، في ظل تشتت السجلات المدنية، وغياب البيانات والإحصاءات الرسمية الموثوقة، وانتفاء أي حالة إلجاء أو فراغ قانوني حرج يستدعي تعديل التشريعات السابقة فوراً، مع إمكان تذليل جميع العقبات المعيشية والخدمية للمتأثرين من خلال إصدار قرارات تنفيذية وإجراءات إدارية عاجلة من دون الحاجة للمساس بصلب قانون الجنسية؟

ثانياً: الدافع الإنساني والحلول الإجرائية

إذا كان المحرك الأساسي للنقاش هو الجانب الإنساني الملح، والمتمثل في رفع المعاناة عن أسر السوريات من الأرامل والمطلقات، ومن اختفى أزواجهن أو تعذر لهن إثبات النسب، فإن معالجة هذا الخلل لا تتطلب خوض جدل سياسي لتعديل قانون الجنسية. بل يمكن الاستفادة من نماذج وتجارب إقليمية ودولية طوّرت حلولاً واقعية لهذه المشكلة، استندت أساساً إلى فكرة فك الارتباط بين الحق الخدمي المدني والحق السياسي الانتخابي، واعتمدت على تقديم تسهيلات إدارية وخدمية نوعية تحل مشكلات هذه الفئات. ويمكن لسوريا الاسترشاد بتلك التجارب، وتبني مساراً تنفيذياً إجرائياً عاجلاً لمعالجة الخلل، يقوم على أساس:

  1. منح بطاقة إقامة مدنية دائمة لأسر السوريات المتزوجات من غير السوريين، تكفل حمايتهم واستقرارهم.
  2. إصدار قرارات وزارية تمنح أصحاب هذه البطاقة معاملة المواطن السوري الكاملة في قطاعات: التربية والتعليم العالي (القبول في المدارس والجامعات بنفس الرسوم والشروط)، الرعاية الصحية (الاستفادة الكاملة والمتساوية من خدمات الصحة والمشافي العامة)، العمل والاستثمار (ممارسة المهن والأعمال دون تعقيدات أذون العمل، مع إتاحة تملّك العقارات السكنية والتجارية، وتسهيل الإجراءات القانونية، وضمان انتقال حقوق الإرث العقاري والمالي من الأم السورية لأبنائها دون معوّقات بيروقراطية).
  3. معالجة حالة انعدام الجنسية مراعاة لحقوق الطفل، وتثبيت الجنسية حكماً لمن ولد لأم سورية ولم تثبت نسبته لأبيه قانونياً؛ وذلك من خلال تفعيل المادة الثالثة من قانون الجنسية النافذ، دون تعميم ذلك على الحالات التي يحمل فيها الأبناء جنسية آبائهم الأصلية.

الحل الرشيد: فصل ذكي بين الحقوق الخدمية والاعتبارات السيادية

يقتضي النضج السياسي التمييز بين النيات الطيبة والسياسات الرشيدة. أما الاندفاع العاطفي غير المحسوب نحو تجنيس فوري وشامل في بيئة هشة للغاية، مع ما ذكرناه من المخاطر والتحديات، فقد يؤدي إلى نتائج عكسية تهدد الاستقرار العام، وتنذر بتكاليف أمنية باهظة، مع ما تثيره من هواجس ومخاوف مشروعة على المستوى السيادي. في حين أن حرمان الأسر من حقوقها الأساسية وتعطيل حياة الأطفال بحجة الحفاظ على الحقوق السيادية يمثل بدوره ظلماً اجتماعياً وإنسانياً غير مبرر لهذه الفئات. والحل الرشيد يكمن في اعتماد فكرة الفصل الذكي بين الحقوق الخدمية والاعتبارات السيادية، حيث يتم رفع الأضرار المعيشية والخدمية عن تلك الفئات فوراً ومن دون تأخير، وذلك عبر الأدوات الإدارية والتنفيذية في الدولة، مع تأجيل ملف التجنيس أو تعديل قانون الجنسية - بوصفه مسألة أمن قومي - إلى الوقت المناسب لطرحه في السياق الدستوري، وذلك حين تستعيد الدولة السورية تعافيها المؤسسي، ويتوافر لديها البيانات الصحيحة والشاملة، ويصبح لديها القدرة اللازمة لتنفيذ هذا التشريع على الوجه الأمثل.

شارك الخبر: