قانون الجنسية السورية: بين النوايا الإنسانية والمخاطر السيادية.. هل الحل في الإجراءات التنفيذية؟


هذا الخبر بعنوان "تعديل قانون الجنسية السورية: مخاطر الاستعجال التشريعي وأولويات المعالجة التنفيذية" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يعود ملف حق المرأة السورية في منح جنسيتها لأبنائها إلى واجهة النقاش مجدداً، مدفوعاً بجهود حقوقية ونيات إنسانية تسعى لتخفيف الأعباء القانونية والمعيشية عن أبناء وبنات السوريات. وعلى الرغم من تعاطف أي مراقب منصف مع هذه المطالب ودعم كرامة المرأة السورية وحق أسرتها في الاستقرار، فإن تحويل هذا التعاطف إلى مشروع قانون يتطلب وقفة هادئة. فالسياسات العامة والتشريعات المتعلقة بالهوية الوطنية والنظام العام لا تبنى على المشاعر وحدها، بل تستلزم قراءة نقدية للواقع، وحسابات الأمن القومي، والقدرة المؤسسية للدولة السورية الجديدة.
تكمن المشكلة الأساسية في المقاربات المتداولة حالياً في الخلط بين مستويين متباينين في التشريع: المستوى الإنساني الخدمي، والمستوى السياسي السيادي. ولمقاربة هذا الملف بعلمية واتزان، لا بد أولاً من تحرير الدافع الأساسي لطرح هذا التعديل في هذا التوقيت الاستثنائي والمعقد.
عندما يُطرح تعديل قانون الجنسية بوصفه ترجمة لمبدأ المواطنة المتساوية ورفض التمييز على أساس الجنس، فإننا نتحدث عن استحقاق دستوري وسيادي بالغ الحساسية. فقانون الجنسية (المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969) هو الأداة التشريعية الأساسية التي تعرّف شعب الدولة وتحدد هويتها السياسية والديموغرافية. والإقدام على خطوة تشريعية بهذا الوزن في دولة لا تزال تحت آثار الحرب يصطدم بثلاثة موانع جذرية تحكم الواقع السوري الراهن:
إذا كان المحرك الأساسي للنقاش هو الجانب الإنساني الملح، والمتمثل في رفع المعاناة عن أسر السوريات من الأرامل والمطلقات، ومن اختفى أزواجهن أو تعذر لهن إثبات النسب، فإن معالجة هذا الخلل لا تتطلب خوض جدل سياسي لتعديل قانون الجنسية. بل يمكن الاستفادة من نماذج وتجارب إقليمية ودولية طوّرت حلولاً واقعية لهذه المشكلة، استندت أساساً إلى فكرة فك الارتباط بين الحق الخدمي المدني والحق السياسي الانتخابي، واعتمدت على تقديم تسهيلات إدارية وخدمية نوعية تحل مشكلات هذه الفئات. ويمكن لسوريا الاسترشاد بتلك التجارب، وتبني مساراً تنفيذياً إجرائياً عاجلاً لمعالجة الخلل، يقوم على أساس:
يقتضي النضج السياسي التمييز بين النيات الطيبة والسياسات الرشيدة. أما الاندفاع العاطفي غير المحسوب نحو تجنيس فوري وشامل في بيئة هشة للغاية، مع ما ذكرناه من المخاطر والتحديات، فقد يؤدي إلى نتائج عكسية تهدد الاستقرار العام، وتنذر بتكاليف أمنية باهظة، مع ما تثيره من هواجس ومخاوف مشروعة على المستوى السيادي. في حين أن حرمان الأسر من حقوقها الأساسية وتعطيل حياة الأطفال بحجة الحفاظ على الحقوق السيادية يمثل بدوره ظلماً اجتماعياً وإنسانياً غير مبرر لهذه الفئات. والحل الرشيد يكمن في اعتماد فكرة الفصل الذكي بين الحقوق الخدمية والاعتبارات السيادية، حيث يتم رفع الأضرار المعيشية والخدمية عن تلك الفئات فوراً ومن دون تأخير، وذلك عبر الأدوات الإدارية والتنفيذية في الدولة، مع تأجيل ملف التجنيس أو تعديل قانون الجنسية - بوصفه مسألة أمن قومي - إلى الوقت المناسب لطرحه في السياق الدستوري، وذلك حين تستعيد الدولة السورية تعافيها المؤسسي، ويتوافر لديها البيانات الصحيحة والشاملة، ويصبح لديها القدرة اللازمة لتنفيذ هذا التشريع على الوجه الأمثل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة