سوريا: ما بعد سقوط النظام.. صراع على الإرث والمستقبل


هذا الخبر بعنوان "سوريا.. تركة الرجل المريض" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن سقوط النظام السوري نهايةً للصراع على سوريا، بل بدايةً لمرحلة جديدة من التنافس عليها. فبعد سنوات طويلة من الحرب التي استنزفت الدولة والمجتمع، وجدت البلاد نفسها أمام مشهد تتقاطع فيه حسابات القوى الإقليمية والدولية، وتتسابق فيه الأطراف المختلفة لتثبيت مواقعها وحماية مصالحها في سوريا الجديدة. وبينما تحتاج البلاد إلى استعادة مؤسساتها، وبناء اقتصادها، وترميم نسيجها الاجتماعي، تبدو أولويات الخارج مرتبطة، إلى حد بعيد، بما يمكن أن يحققه من مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية.
تستحضر عبارة «الرجل المريض» تاريخاً من التعامل مع الدول الضعيفة باعتبارها كيانات قابلة لإعادة توزيع النفوذ حولها، وهي استعارة تفرض نفسها عند النظر إلى المشهد السوري الراهن. فالجغرافيا الاستراتيجية، والموقع الإقليمي، والموارد، والحدود، والتحولات السياسية، كلها عوامل تجعل سوريا حاضرة في حسابات أطراف متعددة، لكل منها تصور مختلف لشكل الدولة التي يريد رؤيتها، وطبيعة الدور الذي ينبغي أن تؤديه في المنطقة. لكن المفارقة أن البلد الذي دفع سكانه أثماناً باهظة خلال سنوات الحرب يجد نفسه اليوم أمام تحدٍّ آخر: كيف يستعيد حقه في تقرير مستقبله، وسط شبكة من المصالح والضغوط التي لا تنظر جميعها إلى احتياجات السوريين باعتبارها أولوية؟
التحالفات ليست بالضرورة ضمانات طويلة الأمد، بل ترتيبات قابلة للتغيير عندما تتبدل الأولويات، وهذا ما يجعل بناء الدولة السورية أمراً لا يمكن أن يستند إلى ضمانات خارجية وحدها، مهما بدت مهمة في لحظة معينة. لم تكن سوريا، خلال سنوات الصراع، مجرد ساحة مواجهة بين نظام ومعارضة، بل تحولت تدريجياً إلى مساحة تتداخل فيها الصراعات الإقليمية والدولية، وتتشابك فوق أرضها حسابات الأمن القومي ومشاريع النفوذ وموازين القوى. وقد أدى التدخل الخارجي، بأشكاله العسكرية والسياسية والاقتصادية، دوراً أساسياً في إطالة أمد الحرب وتعقيد مساراتها، حتى باتت بعض الملفات السورية مرتبطة بتفاهمات تتجاوز حدود البلاد وأطرافها المحلية.
ومع سقوط نظام الأسد، تغيرت خريطة التحالفات والنفوذ، لكن التنافس لم ينتهِ؛ فالدول التي استثمرت سنوات طويلة في الملف السوري لم تتخلَّ ببساطة عن مصالحها، كما أن القوى التي رأت في التحول فرصة لتوسيع حضورها سارعت إلى بناء علاقات مع السلطة الجديدة. وهكذا انتقلت سوريا من مرحلة التنافس على مصير النظام إلى مرحلة التنافس على شكل الدولة المقبلة، وموقعها في النظام الإقليمي، وطبيعة علاقاتها مع القوى المؤثرة. وهنا ينبغي التوضيح أن فتح السفارات، واستئناف العلاقات، وتقديم الوعود بالمساعدات، كلها خطوات قد تسهم في إنهاء عزلة البلاد، لكنها لا تعني بالضرورة أن الأطراف الخارجية مستعدة للتخلي عن أدوات الضغط، أو التعامل مع سوريا بوصفها دولة مستقلة في تحديد خياراتها. فالاعتراف الدبلوماسي لا يلغي المصالح، والمساعدة الاقتصادية لا تأتي دائماً من دون شروط، كما أن دعم الاستقرار قد يتقاطع أحياناً مع رغبة بعض الدول في تثبيت ترتيبات أمنية تخدم حساباتها الخاصة.
فالتحالفات ليست بالضرورة ضمانات طويلة الأمد، بل ترتيبات قابلة للتغيير عندما تتبدل الأولويات، وهذا ما يجعل بناء الدولة السورية أمراً لا يمكن أن يستند إلى ضمانات خارجية وحدها، مهما بدت مهمة في لحظة معينة. لا يقتصر التنافس على سوريا على القواعد العسكرية والحدود والتحالفات الأمنية، فهناك ساحة أخرى لا تقل أهمية، وربما تكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل، هي ساحة الاقتصاد وإعادة الإعمار. فبلد خرج من حرب مدمرة يحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة تأهيل بنيته التحتية، واستعادة خدماته الأساسية، وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات، فضلاً عن إعادة بناء قطاعات الإنتاج والعمل. وتُقدَّر كلفة إعادة الإعمار بمئات المليارات من الدولارات، ما يجعل الحاجة إلى التمويل الخارجي أمراً لا يمكن تجاهله. وقد شهد عام 2026 الإعلان عن اتفاقيات واستثمارات ووعود تمويلية من دول خليجية وأوروبية، إلى جانب انفتاح مؤسسات مالية دولية على التعاون مع دمشق.
ربما لا ينبغي النظر إلى هذه المبادرات باعتبارها سلبية لمجرد أنها تأتي من الخارج؛ فسوريا تحتاج بالفعل إلى التمويل والخبرة والأسواق، ولا يمكنها النهوض بمعزل عن التعاون الدولي. لكن المسألة الأساسية تكمن في طبيعة هذا التعاون وشروطه، وفي قدرة المؤسسات السورية على ضمان أن تخدم الاستثمارات المصلحة العامة، لا أن تنشئ مراكز نفوذ جديدة داخل الاقتصاد الوطني. فإعادة الإعمار ليست عملية هندسية تقتصر على بناء الطرق والمطارات والمساكن، بل هي عملية سياسية واجتماعية تتعلق بمن يحصل على الموارد، وأيّ المناطق تحظى بالأولوية، وكيف تُحمى حقوق الملكية، وما إذا كان النازحون والمهجّرون سيتمكنون من العودة إلى ممتلكاتهم، ومن يملك حق المشاركة في تحديد شكل المدن والبلدات التي دمرتها الحرب. وبالتالي، لا يمكن اختزال التعافي في حجم الاستثمارات المعلنة أو عدد الاتفاقيات الموقعة، خاصة في ظل وجود فجوة بين الوعود والتنفيذ.
إن ما سبق يقودنا إلى سؤال يتجاوز حجم التمويل: هل ستعيد سوريا بناء اقتصادها على أساس مؤسسات وقواعد قانونية تحمي المواطنين، أم ستدخل مرحلة جديدة تصبح فيها الأصول العامة والقطاعات الحيوية موضوعاً للتنافس بين المستثمرين وأصحاب النفوذ؟ ولا بد هنا من الأخذ في الحسبان أن الحاجة الملحة إلى المال لا ينبغي أن تدفع الدولة إلى التنازل عن قدرتها على التخطيط والرقابة، أو إلى التعامل مع كل استثمار بوصفه إنجازاً، بصرف النظر عن شروطه وآثاره. فالاستثمار الذي لا يخلق فرص عمل مستدامة، ولا ينقل المعرفة، ولا يعزز الإنتاج المحلي، ولا يخضع لرقابة شفافة، قد يحقق عوائد لأطراف محددة من دون أن يضع الاقتصاد السوري على طريق التعافي. كما أن منح الامتيازات طويلة الأمد في قطاعات استراتيجية، من دون نقاش عام وضمانات قانونية واضحة، قد يجعل إعادة الإعمار مدخلاً لتثبيت علاقات تبعية يصعب تعديلها لاحقاً.
حريٌّ بنا أن نعترف بأن تحميل القوى الخارجية مسؤولية كل ما يجري لا يقدم تفسيراً كاملاً للمشهد؛ فالتدخل الخارجي يجد مساحته أيضاً في مواطن الضعف الداخلية، وفي غياب المؤسسات القادرة على احتكار القرار، وفي استمرار الانقسامات الأمنية والسياسية، وفي عدم اكتمال بناء جيش وطني موحد يخضع لسلطة الدولة والقانون. وتزداد أهمية هذه المسألة في بلد متعدد المكونات والتجارب والمصالح، عانى من سنوات طويلة من التهميش والعنف والتهجير. فالتعامل مع التنوع باعتباره تحدياً أمنياً فقط، بدلاً من كونه جزءاً من البنية الوطنية، يهدد فرص الاستقرار، ويتيح للمصالح الخارجية إيجاد مداخل جديدة للتأثير في الداخل. أما بناء الثقة بين السوريين، وضمان المساواة في الحقوق والواجبات، وإرساء العدالة الانتقالية، فليست ملفات مؤجلة إلى ما بعد التعافي الاقتصادي، بل شروط أساسية لنجاحه.
في نهاية المطاف، لا تكمن المشكلة في أن تكون لسوريا علاقات مع قوى إقليمية ودولية، ولا في أن تسعى الدول إلى حماية مصالحها؛ فهذا جزء من طبيعة العلاقات الدولية. المشكلة تبدأ عندما تتحول المصالح الخارجية إلى حدود تُرسم لخيارات الدولة، أو عندما يصبح الدعم مشروطاً بالتخلي عن أجزاء من قرارها، أو عندما تُدار الملفات الوطنية عبر تفاهمات تتجاوز المؤسسات السورية والمجتمع الذي يُفترض أن يتحمل نتائجها. الرجل المريض قد سقط، لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تبقى البلاد تتعامل مع العالم من موقع التركة، لا من موقع الدولة التي يحق لشعبها وحده أن يقرر مستقبلها.
ليس المطلوب حتماً من سوريا أن تدخل في مواجهة مع العالم، أو أن ترفض الاستثمارات والتحالفات والتفاهمات الأمنية، بل أن تمتلك القدرة على التفاوض من موقع الدولة التي تعرف أولوياتها، وتحدد شروط التعاون وفق مصالحها الوطنية. وهنا تبرز مسؤولية السلطة في أن تثبت أن جذب الاستثمارات لا يعفيها من وضع قواعد شفافة تحمي المال العام وحقوق المواطنين. فالدولة التي لا تملك مؤسسات قوية يصعب عليها التفاوض بندية، مهما حظيت قيادتها باستقبال دولي أو وعود بالدعم. كذلك، فإن مسؤولية السوريين لا تنحصر في انتظار ما ستقرره الحكومة أو ما ستتفق عليه القوى الخارجية. فالمجتمع الذي دفع ثمن الحرب لا ينبغي أن يُستبعد من النقاش حول إعادة بناء بلده، سواء تعلق الأمر بمستقبل موارده، أو شكل نظامه السياسي، أو أولويات إعادة الإعمار. ولا يمكن اختزال المصلحة الوطنية في تفاهمات النخب السياسية والاقتصادية؛ لأن غياب الرقابة والمشاركة يترك المجال مفتوحاً أمام إعادة إنتاج الامتيازات نفسها التي أسهمت في إضعاف الدولة سابقاً.
لقد تغيرت الأسماء والتحالفات، وتبدلت موازين القوى، لكن السؤال الذي يواجه سوريا اليوم أكثر جوهرية من سؤال من يملك النفوذ الأكبر فيها: «هل تستطيع أن تتحول من ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين إلى دولة تمتلك مشروعها الخاص؟». فالرجل المريض قد سقط، لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تبقى البلاد تتعامل مع العالم من موقع التركة، لا من موقع الدولة التي يحق لشعبها وحده أن يقرر مستقبلها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة