سوريا بعد الأسدين: خطوة أولى نحو بناء دولة المؤسسات وتحديات المستقبل


هذا الخبر بعنوان "إسقاط النظام.. بداية الطريق" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعرف سوريا في تاريخها الحديث سوى فترة قصيرة نسبياً خالية من الاستبداد، تميزت بغياب الاعتقالات السياسية، وتوافر حرية الصحافة وتشكيل الأحزاب، والانتخابات الحرة. مثّلت الفترة الممتدة من عام 1954 حتى قيام الوحدة مع مصر عام 1958 إحدى أكثر الفترات انفتاحاً وتعددية في التاريخ السياسي السوري الحديث، رغم ما شابها من اختلالات وصراعات.
لم يكن الاستبداد في الفترات اللاحقة على درجة واحدة من القسوة، إذ تعاظم بشدة في عهدي الأسدين منذ أواسط السبعينيات، خاصة بعد تدخل الجيش في لبنان عام 1976، حيث ترسخت قبضة الأجهزة الأمنية وتوسع تدخلها في الحياة العامة نتيجة المواقف الرافضة لتلك العملية، ومجزرة تل الزعتر.
تاريخ السلطات في سوريا، كغيرها في البلاد العربية، يشير إلى أنها لم تصل إلى السلطة إلا عن طريق الانقلابات أو التوريث. اعتمدت في استمراريتها على ركيزتين: الأولى، صلبة، تتمثل في الجيش وأجهزة المخابرات التي تحولت إلى أدوات لحماية السلطة ومواجهة المجتمع. الركيزة الثانية، هي تشكيل شبكة من الولاءات قائمة على العصبيات الدينية والمذهبية. ساعد على ترسيخ هذه التركيبة غياب قوى مجتمعية فاعلة يمكنها كبح نزعة السلطات نحو الاستبداد.
تنزع كل السلطات، بحكم طبيعة تركّز القوة، إلى توسيع نطاق نفوذها ما لم تخضع لضوابط دستورية ومؤسسية ومجتمعية تضمن المساءلة وتمنع احتكار القرار. وهذا يستدعي تغيير طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وإقامة مؤسسات قادرة على منع احتكار القوة والقرار.
تعاني سوريا منذ فترة طويلة من انقسامات مجتمعية، عمل نظام السلالة الأسدية على تعميقها، خاصة الطائفية منها، إضافة لانقسامات أخرى مرتبطة بالبنى التقليدية القائمة والمصالح الاجتماعية. كانت الأنظمة السورية نتاج الفترة الاستعمارية التي عمقت الانقسامات، ورسمت حدوداً قابلة للاشتعال. لم يكن هذا الإرث وحده المسؤول عن نشوء الاستبداد، بل كان لتشكيل الجيوش وفق اعتبارات مذهبية وإثنية، وصراع النخب السياسية، دور في تحول الجيش تدريجياً من مؤسسة وطنية إلى طرف رئيسي في الصراع على الحكم.
اليوم، حقق الشعب السوري، عبر ثورته التي امتدت لأربعة عشر عاماً، الخلاص من نظام الأسدين الطغياني. لكن هذه الخطوة ليست كافية لبناء دولة تقوم على المؤسسات والصالح العام ما لم تترافق بإتاحة الفرصة للسوريين والقوى السياسية للمشاركة في رسم مصيرهم واختيار نظام الحكم الذي يمثلهم.
يترتب على ذلك مسؤولية على الحكومة، التي تتحكم بمفاصل صنع القرار، خاصة في ظل وضع خرج فيه السوريون من العصور المظلمة الأسدية. يستدعي هذا من السوريين والقوى السياسية الانخراط في صنع الحياة العامة من خلال الدفاع عن حقوق الأغلبية بدل العزوف الكبير الذي كانت تعيشه سوريا سابقاً، نتيجة القمع والفظائع. يتطلب هذا توفير بيئة سياسية وقانونية آمنة تضمن حرية التعبير والتنظيم والعمل العام.
يتجلى دور الحكومة، خاصة في مرحلة إعادة تشكيل مؤسسات الدولة، في ضمان أن يعاد التشكيل وفق أسس سياسية، بمعنى تجنب التمثيل والمشاركة وفق اعتبارات المحاصصة الدينية والمذهبية والإثنية. الاعتماد على تلك الانقسامات في تمثيل السوريين لن يجلب لسوريا سوى الأزمات، ويعيدها لدائرة الصراع والفوضى. لا يعني تجاوز المحاصصة تجاهل التنوع السوري، بل بناء نظام وفق أسس سياسية يضمن الحقوق والحريات، ويتيح لجميع السوريين المشاركة على أساس الكفاءة والاختيار الحر.
لا أحد ينكر دور من ساهموا في تحرير السوريين من نظام السلالة الأسدية وتضحياتهم. لكن أن تتحول هذه المساهمة إلى محور للعملية السياسية، ومن ثم إلى
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة