سوريا
ثقافة

سوريا الجميلة: من الحلم إلى الانهيار والتساؤلات حول الهوية

syria.tv٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٥:٥٦ ص0 مشاهدة
سوريا الجميلة: من الحلم إلى الانهيار والتساؤلات حول الهوية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "في ولادة وانهيار "سوريا الجميلة"" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في البداية، كانت هناك سوريا، الدولة التي تأسست بهذا الاسم والجغرافيا قبل قرن تقريبًا. لم تكن جميلة أو قبيحة، بل كيانًا ناشئًا يحاول استيعاب العالم المتشكل بعد الحرب العالمية الأولى، ثم يكافح للخروج من وصاية الانتداب الفرنسي. بعد نيل استقلالها، انطلقت البلاد باحثة عن الازدهار والتنمية، قبل أن يغير انقلابيون بعثيون مسارها من الغرب إلى الشرق. ربما في سبعينيات القرن العشرين، شاع تعبير "سوريا الجميلة"، مترجمًا من الأدب والدعاية السوفييتية، مع غلاف غنائي. محليًا، كان ذلك العقد حقبة تفاؤل مبرر، حيث شهد انفتاحًا اجتماعيًا واقتصاديًا مقارنة بالستينيات، وقدرًا من الحريات مقارنة بالثمانينيات.

يصعب تعريف "سوريا الجميلة" بدقة، لكنها قد تكون البلد الذي عرفه أهله كاملاً لأول مرة بعد تطور وسائل النقل، وزيادة أعداد الموظفين في العاصمة ومراكز المدن، وانتشار أجهزة التلفزيون ببث وطني. الأهم من ذلك، كان تصاعد نشاط مثقفين شباب يساريين يؤمنون بتقدم البشرية ويقرأون آداب المعسكر الاشتراكي. كانت "سوريا الجميلة" في الأساس بلدًا يتكون من مواطنين متساوين، لا تفرق بينهم إلا مواقعهم الوظيفية في مسيرة بناء الوطن: عمال، فلاحون، مدرسون، جنود، ونساء بوظائف متنوعة. لم تكن هناك فروقات على أساس الطوائف كالسنة والعلويين والدروز والمسيحيين، ولا على أساس القوميات كالعرب والأكراد والأرمن والسريان، ولا حتى الانتماءات العشائرية. المجتمع الذي يتطلع إلى الأمام ويسعى للحداثة، أو "العربي الاشتراكي الموحد"، ترك وراءه كل تلك القيم "البالية" والانتماءات "المقيتة".

في هذا السياق، سارع أدباء إلى تأليف قصص وروايات عن البناية السورية المثالية التي تسكنها عائلة حرفي سني، وأسرة موظف علوي، وعجوز أرمنية، وشاب كردي يعزف البزق. كانوا يكتشفون أن ما يفرقهم أقل بكثير مما يجمعهم، وهو الإنسانية و"سوريا الجميلة". تزامن ذلك مع السياسة العامة للأسدية التي كانت تؤكد على وحدة المواطنين "العرب السوريين" ومساواتهم علنًا، بينما كانت تهندس تمييزًا طائفيًا وتكرس تهميشًا قوميًا، وتتعامل مع المكونات بواقعية "براغماتية" مضبوطة بالأمن. كان الإعلام الرسمي يبرز شكلًا أساسيًا واحدًا من التعايش والوئام بين المسلمين والمسيحيين، وأحيانًا يقدم عروضًا لفرق رقص شركسي، خاصة في عهد "الرئيس الشاب". وعندما كان يُشار إلى ما هو أوسع من ذلك، كان يُحمل على أنه تنوع يولد "الغنى".

لكن هذا التنوع ربما أنتج حروبًا أهلية وثارات طائفية، وهو ما انفجر منذ عام 2011. أصبحت "سوريا الجميلة"، التي كانت وصفًا شعريًا لبلد قائم، عبارة مجازية هائمة في "سوريا الجديدة" المزدحمة بالكراهيات. قد يكون هذا مفهومًا أو مطلوبًا في الإعلام العام، لكن مهمة الخبراء والمثقفين والمحللين والكتاب تختلف. لا يزال الكثيرون منهم يصرون على ارتداء ثوب طهراني لا يستر شيئًا من الواقع. من واجب هذه الفئات مواجهة الواقع بشجاعة ومسؤولية، والكف عن بناء قصور في الرمال. من هذه النقطة، أي الاعتراف بأننا شعوب وقبائل، ينبغي أن تبدأ مسيرة التعارف. ليس فقط تقاليد الزواج والمطبخ والأزياء، بل حساسيات سياسية وحقوق ومطالب وذاكرات جماعية مضمخة بالدم. ومن هناك نفهم سبب رغبة أجزاء من السكان في الانفصال الآن. مع "سوريا الجميلة"، علينا مراجعة حزمة من التعبيرات الإنشائية. فهي ليست البلد الوحيد الذي "يلبق له الفرح"، وأرضها ليست "طيبة"، وأهلها "البسطاء" ليسوا طيبين بالضرورة، فقد كانوا آلات قتل لبعضهم البعض وما زالوا. وليس كل أصيل "ابن بلد"، فقد يكون مسكونًا بهوية فرعية عدوانية. ومن شاء أن "توجعه سوريته" حرٌّ، على ألا يظن أن "العبّوطة" هي الحل.

يتفرع عن "سوريا الجميلة" مفهوم "السوري النبيل"، وهو الغافل عن مجريات الواقع وسياق الأحداث، خاصة في الخمسة عشر عامًا الأخيرة من قتل وتعذيب وتهجير ومجازر. الداعي إلى المصالحة بطريقة "حبوا بعض" على كأس عصير. على الرغم من أن التابوهات أصبحت منثورة على الطرقات، يتناولها كل مؤثّر بما شاء من محتوى تحريضي، فإنه يبقى من تقاليد الثقافة السياسية السورية تجاهل مترفع لا يلامس الواقع إلا بقفازات، ليحوز المثقف لقب النبيل، المجرّد من أي معرفة مفيدة بالمجتمع، ليتبعه الغاوون في دروب من التيه.

شارك الخبر: