سوريا
ثقافة

إصلاح المناهج السورية: نحو عقد تربوي وطني جامع لبناء جيل المستقبل

syria.tv١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٠ ص0 مشاهدة
إصلاح المناهج السورية: نحو عقد تربوي وطني جامع لبناء جيل المستقبل

تنويه

هذا الخبر بعنوان "إصلاح المناهج التعليمية في سوريا: نحو عقد تربوي وطني جامع" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أثارت التعديلات الأخيرة على بعض المناهج التعليمية في سوريا، خاصة في كتب التاريخ والاجتماعيات للمرحلة الأساسية، جدلاً واسعاً ونقاشات حادة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. يرى منتقدو هذه التعديلات أنها تتجه نحو إضفاء طابع أيديولوجي وديني على المناهج، مما يطرح تساؤلاً أعمق حول طبيعة الجيل الذي نسعى لبنائه في سوريا المستقبل، وعلاقته بماضيه ومجتمعه ودولته.

إن إصلاح المناهج في بلد خرج من حرب طويلة ليس مجرد إجراء تقني، بل هو مسؤولية تربوية ومجتمعية وسياسية جوهرية تشكل وعي الطلاب وهوياتهم وقدرتهم على التعايش. لذا، يجب أن يتجاوز الهدف استبدال سردية تاريخية بأخرى أو فرض هوية سياسية أو دينية محددة، بل يهدف إلى تأسيس تعليم يعزز مجتمعاً أكثر عدالة وتماسكاً، ويشكل أساساً لعقد تربوي وطني جامع بين السوريين.

تجاوز الأدلجة وبناء تعليم جامع:

اعتمدت المناهج التعليمية في الحقبة البعثية الأسدية على فلسفة الأنظمة الاستبدادية الشمولية، مستعيرة بعض جوانبها من أنظمة مثل كوريا الشمالية. لذا، يكمن خطر تعديل المناهج في استبدال هذه الفلسفة الاستبدادية بفلسفة دينية أو سياسية واحدة، خاصة في مجتمع سوري متعدد دينياً وثقافياً واجتماعياً. بناء مستقبل مشترك يتطلب مناهج لا تجعل بعض الطلاب يشعرون بأن هوياتهم أو معتقداتهم أقل قيمة.

لا يعني ذلك إقصاء الدين عن المعرفة، بل التمييز بين دراسته كمكون تاريخي وثقافي، وتوظيفه كأداة للتمييز أو فرض الولاء. يتطلب هذا معايير علمية وتربوية واضحة، ولجان مستقلة تضم اختصاصيين وممثلين عن المجتمع المدني، ونشر مسودات المناهج للنقاش العام قبل إقرارها، خلافاً لما حدث في الحقبة الأسدية حيث صِيغت المناهج بمعزل عن الشعب.

التعامل المسؤول مع الماضي وتعزيز المصالحة المجتمعية:

تستمر آثار الحرب في حياة الأطفال الذين عانوا من الفقد والنزوح والحرمان. لذا، يتطلب تدريس التاريخ السوري الحديث حساسية تربوية خاصة، تحترم الضحايا وتتجنب إعادة إنتاج الانقسامات. يجب الاستناد إلى مصادر موثوقة، والتمييز بين الوقائع والتفسيرات، والابتعاد عن المصطلحات الحزبية والطائفية التي تحمّل جماعات مسؤولية أفعال أفراد.

احترام الضحايا لا يعني محو الحقائق أو المساواة بين المسؤوليات. الكتاب المدرسي ليس محكمة، ولكنه ليس مساحة لتغييب الحقيقة أو طمس الانتهاكات. مهمته مساعدة الطلاب على فهم ما جرى، وإدراك خطورة الانتهاكات، واحترام كرامة الضحايا، دون تحويل المعرفة إلى أداة للانتقام أو التحريض. يجب اختبار المواد التعليمية المتعلقة بالماضي القريب في مدارس متنوعة ومراجعتها من خبراء أكاديميين متخصصين.

تعزيز التعددية ونبذ العنف والتمييز:

لبناء مجتمع سوري متماسك، يجب أن تساعد المناهج الطلاب على فهم التنوع واحترامه، وتفكيك الصور النمطية والأحكام المسبقة. يجب التأكيد على أن الاختلاف الديني أو القومي أو المناطقي لا ينتقص من الحقوق، وأن الخلاف السياسي أو الديني لا يبرر العنف أو الإقصاء.

يتطلب ذلك مراجعة النصوص والصور والأمثلة في الكتب المدرسية للتأكد من خلوها من التمييز والتحريض، وإدراج أنشطة تناسب أعمار الطلاب وتتناول التنمر وخطاب الكراهية وسبل حل الخلافات سلمياً. كما يجب تدريب المعلمين على إدارة النقاشات الحساسة ومعالجة مظاهر التمييز داخل الصفوف. ينبغي أن تبرز المناهج تاريخ التفاعل والتعاون بين السوريين بمختلف انتماءاتهم، بدلاً من اختزال المجتمع في هويات منفصلة.

إشراك الطلاب وتنمية التفكير النقدي:

لا يمكن بناء مستقبل مختلف إذا ظلت المدرسة السورية أسيرة التلقين. المطلوب مناهج تنمي قدرة الطلاب على طرح الأسئلة، وفحص الأدلة، والتمييز بين الحقيقة والرأي، ومقارنة الروايات التاريخية وتقييم مصادرها. التفكير النقدي لا يعني تساوي جميع الروايات في صدقيتها، بل يستند الحكم عليها إلى الأدلة والمعايير العلمية، لا إلى الولاء السياسي أو الانتماء الديني.

يتطلب ذلك تطوير طرائق التدريس والامتحانات لقياس التحليل والاستدلال، وتدريب المعلمين على تشجيع الحوار. يجب إعلان الأسس العلمية والتربوية المعتمدة في تعديل المناهج، ونشر مسودات الكتب ومبررات التعديلات لإتاحتها للمراجعة من قبل اختصاصيين وأكاديميين ومعلمين وأهالٍ وباحثين، مما يعزز الشفافية والثقة العامة.

المتابعة والمساءلة والتحسين المستمر:

لا تكتمل عملية الإصلاح بالمبادئ المعلنة، بل تحتاج إلى نظام مستقل للمتابعة والتقييم، يتضمن مؤشرات واضحة ومراجعات دورية وقنوات لتلقي الملاحظات والشكاوى. يمكن إصدار تقارير فصلية تتناول نتائج مراجعة المناهج وملاحظات المعلمين والطلاب والمشكلات التي تظهر أثناء التطبيق والإجراءات التصحيحية المتخذة.

ينبغي أن تشمل المراجعة الكتب والأنشطة الصفية ومواد تدريب المعلمين وطرائق التدريس والامتحانات، لأن التحيز والتمييز قد يظهران في الممارسة. الأفضل تنفيذ التعديلات تدريجياً من خلال إعداد مناهج تجريبية وتطبيقها في مدارس متنوعة، وتقييمها بصورة مستقلة قبل تعميمها، مع استمرار تطويرها وفق نتائج التطبيق.

نحو عقد تربوي وطني جامع:

إصلاح المناهج التعليمية في سورية لا يقتصر على حذف فقرات تخص الحقبة البعثية الأسدية أو إضافة أخرى، ولا ينبغي أن يتحول إلى استبدال سردية أيديولوجية بأخرى. بل يتطلب رؤية تربوية وطنية تستند إلى معايير علمية معلنة، ومراجعة مستقلة، ومشاركة مجتمعية، وآليات فعالة للمتابعة والمساءلة.

العقد التربوي المنشود هو الذي يضمن لكل طالب سوري، بغض النظر عن انتمائه، حقه في تعليم يحترم كرامته وهويته، ويعرّفه بتاريخ بلده دون تزييف أو تحريض، ويكسبه قيم المواطنة والمساواة وسيادة القانون، وينمي قدرته على التفكير النقدي والمشاركة المسؤولة. نجاح المناهج لا يُقاس بمدى تعبيرها عن رؤية الجهة التي وضعتها، بل بقدرتها على إعداد جيل يفهم ماضيه، ويحترم اختلاف الآخرين، ويشارك في بناء مستقبل مشترك. سورية التي نريدها تحتاج إلى مناهج تعليمية تجعل من التنوع مصدر غنى، ومن المعرفة أساساً للحوار، ومن المواطنة إطاراً جامعاً لجميع أبنائها، بدلاً من فرض هوية واحدة أو رواية مغلقة كما حصل في الحقبة البعثية الأسدية.

شارك الخبر: