سوريا

مخلفات معاصر الزيتون: تحديات بيئية وصحية وحلول مبتكرة

syriahomenews٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٢٤ م0 مشاهدة
مخلفات معاصر الزيتون: تحديات بيئية وصحية وحلول مبتكرة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مخلفات معاصر الزيتون والخيار بين اجتناب الضرر والإضرار" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتابع جهات رسمية عديدة، مع كل موسم من مواسم عمل معاصر الزيتون، المخاطر الناجمة عن مخلفاتها، كلٌّ من موقع اختصاصه واهتمامه. فالشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي تحرص على منع تسرب هذه المخلفات إلى المنابع التي تغذي شبكات مياه الشرب، وتجري اختبارات دورية للتأكد من سلامة المياه ونقاوتها. والجهات المعنية بالموارد المائية تهتم بمنع وصول هذه المخلفات إلى المياه الجوفية، أو تلويث الينابيع ومجاري المياه والسدود. ووزارة الصحة معنية بالحد من التلوث الذي قد يؤدي إلى انتشار المزيد من الحالات المرضية، وما يترتب عليها من ضغط على المشافي وأسرّتها. أما وزارة البيئة، فتهتم بالحفاظ على سلامة البيئة ومكوناتها من الأضرار الناجمة عن هذه المخلفات، في حين تحرص وزارة الزراعة على الاستفادة منها في تسميد التربة الزراعية، من خلال رشها بنسب محددة في الحقول. ويضاف إلى ذلك اهتمام جمعيات أهلية ووسائل إعلام ومتابعين للشأن العام بهذه القضية.

مخاطر هذه المخلفات قديمة ومتجددة مع كل موسم، ونادراً ما يمر عام دون حدوث حالات تلوث في أكثر من منطقة. لكن اللافت للانتباه أن جهود الجهات المعنية تتكثف خلال الموسم، من حيث التوجيه والرقابة وفرض الغرامات، في حين يكاد حضورها يغيب على مدار بقية العام. ولا جدال في أهمية الحضور الميداني لهذه الجهات خلال الموسم، ولا سيما الحضور المشكور لوزارة الزراعة، المتمثل في وجود مهندس زراعي يشرف يومياً على عدد من المعاصر، وكذلك جهود الفنيين في مؤسسة مياه الشرب، الذين يتابعون اختبارات صلاحية مياه الشرب وسلامتها.

إن أغلب المعاصر القائمة اليوم أُنشئت منذ عشرات السنين، ولم يخطر ببال الجهات التي منحتها التراخيص آنذاك أن تحدد، ضمن شروط الترخيص، آليات واضحة للتعامل مع مخلفات العصر وطرق تصريفها. وهكذا اعتادت هذه المعاصر، منذ ذلك الحين، تصريف مخلفاتها بالطريقة المتبعة حتى اليوم، سواء عبر مجاري الصرف الصحي أو الأودية. ومع ازدياد كميات المخلفات وظهور مخاطرها البيئية والصحية، اتجهت الجهات المعنية إلى إلزام أصحاب المعاصر بنقلها بواسطة صهاريج إلى الأراضي الزراعية أو الحراجية. غير أن هذا الإجراء قابل للتنفيذ جزئياً، وبنسب متفاوتة بين معصرة وأخرى، وليس قابلاً للتطبيق كلياً على جميع المعاصر؛ فكثير من المزارعين لا يقبلون، لسبب أو لآخر، استقبال هذه المخلفات في أراضيهم، ومن يقبل بذلك قد لا يتوافر طريق يصل إلى أرضه، كما أن المساحات الحراجية محدودة في كثير من مناطق وجود المعاصر. يضاف إلى ذلك أن نقل المخلفات يرتب تكاليف إضافية على نفقات العصر، ما يقلل من مردودية المعصرة، التي لا تعمل سوى ربع العام في بعض المواسم، وقد تقل مدة عمل كثير منها عن ذلك، فيما تتوقف معاصر أخرى عن العمل في المواسم الضعيفة.

ولا جدال في أنه من غير المقبول التغاضي عن الضرر الذي تسببه هذه المخلفات، أياً كان نوعه أو حجمه، ولا سيما أن آثاره قد تطال أعداداً كبيرة من الناس. وفي المقابل، ليس من المقبول أيضاً الإضرار بأصحاب المعاصر والعاملين فيها، سواء بفرض غرامات تفوق قدرتهم على تحملها، أو باتخاذ الإغلاق إجراءً عقابياً يفاقم خسائرهم ويهدد مصادر رزقهم. ومن هنا أرى أن الحل الأقل إضراراً، خلال الموسم الحالي، يمكن أن يتحقق من خلال استمرار إلزام المعاصر بنقل مخلفاتها بواسطة الصهاريج، ما دام ذلك ممكناً، وبما يتناسب مع الإمكانات المتاحة لكل معصرة، وتحت إشراف مهندسي الوحدات الإرشادية الزراعية. كما أقترح منح المعاصر الأكثر التزاماً بتعليمات نقل المخلفات والتخلص منها تخفيضاً من الضريبة السنوية المستحقة عليها، بما يتناسب مع مستوى التزامها. وفي المقابل، يمكن السماح، ضمن ضوابط فنية وبيئية محددة، بتصريف الكميات التي تتجاوز القدرة العملية على نقلها بواسطة الصهاريج، في مجاري الصرف الصحي أو المجاري المائية، شريطة ضمان عدم تسبب ذلك بأي ضرر لشبكات مياه الشرب أو مصادرها، باعتبار سلامة مياه الشرب خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه في منطقة كل معصرة. أما إذا تسببت إحدى المعاصر بتلوث مياه الشرب، فينبغي وقفها مؤقتاً إلى حين إزالة سبب التلوث ومعالجة آثاره، مع مراعاة ظروفها الاقتصادية عند تحديد مدة التوقف والتبعات المالية المترتبة عليه. وأقترح في هذا السياق إعفاء المعصرة من الضريبة بما يتناسب مع عدد أيام توقفها، بل ومنحها تعويضاً مالياً إذا امتدت مدة التوقف وأصبحت الخسائر الناجمة عنه تفوق قدرتها على التحمل، وذلك عندما لا يكون التلوث ناجماً عن مخالفة متعمدة أو إهمال من صاحب المعصرة.

وعقب انتهاء الموسم وانقضاء فصل الشتاء، تتضح بصورة جلية إلى حد كبير آثار التلوث الفعلية الناجمة عن مخلفات كل معصرة، ومدى خطورتها على البيئة والمياه. وهذا ما يستوجب من الجهات المعنية أن تنتقل من معالجة المشكلة بعد وقوعها إلى العمل الاستباقي لمنع تكرارها. وأرى ضرورة تشكيل لجنة فنية في كل منطقة، تضم ممثلين عن الجهات المعنية وأحد أصحاب المعاصر، على أن تعمل بإشراف لجنة مركزية أعلى في كل محافظة. وتتولى هذه اللجان دراسة أوضاع المعاصر، وتحديد الإجراءات الوقائية المطلوبة لكل منها، بالتنسيق مع أصحابها، وبما يراعي حجم المخلفات والإمكانات المتاحة والمستوجب فنياً وبيئياً. ومن شأن هذه الإجراءات أن تسهم في تفادي مخاطر التلوث التي شهدناها خلال الموسم الحالي، وأن تؤسس لمعالجة أكثر استدامة للمشكلة في المواسم القادمة، بما يخفف، بل يكاد يلغي، الحاجة إلى الاكتفاء بالتوجيهات الموسمية والرقابة والغرامات المتكررة. ولا جدال في أنه لا مجال لقبول الضرر الناجم عن التلوث، لكن من غير المنطقي أيضاً الإضرار بأصحاب المعاصر بتحميلهم ما لا طاقة لهم به. فالجهات الرسمية هي المعنية أولاً بإيجاد المخارج والحلول العملية التي تحقق المصلحة العامة وتحمي البيئة، من دون أن تقضي على مصدر رزق أصحاب المعاصر والعاملين فيها. ومن الحلول التي أرى ضرورة أن تدرسها اللجان المعنية إنشاء أحواض تجميعية لمخلفات المعاصر في كل منطقة، بإشراف البلديات والجهات المعنية بالموارد المائية، على أن يتناسب موقع هذه الأحواض وعددها وسعتها مع عدد المعاصر التي ستنقل مخلفاتها إليها، وبما يضمن سهولة الوصول إليها وسلامة تخزين المخلفات وعدم تسربها إلى المياه أو التربة. وقد يكون من الممكن أيضاً أن تنشئ بعض المعاصر محطات صغيرة لمعالجة مخلفاتها، بطاقة استيعابية تصل إلى 100 متر مكعب، وفقاً لحجم إنتاجها وكميات مخلفاتها. وقد لاحظت تجربة مماثلة في سلطنة عُمان، حيث توجد محطات لمعالجة المياه ضمن حرم بعض الوزارات، وتُستخدم المياه المعالجة في ري حدائق الوزارة وتغذية النوافير المائية الدوّارة، بما يحقق الاستفادة منها بدلاً من التخلص منها دون جدوى. ويمكن الاستفادة من الفكرة ذاتها في معالجة مياه مخلفات المعاصر، بحيث يعاد استخدام المياه المعالجة في ري المزروعات القريبة، أو تصريفها في مجاري الصرف الصحي أو المسيلات المائية، وفقاً للمعايير الفنية والبيئية المعتمدة، وبعد التأكد من سلامة المياه المعالجة وصلاحيتها للغرض المحدد. وأخيراً، حبذا لو تُلزم أي معاصر جديدة بشروط ترخيص واضحة وصارمة، تضمن منذ البداية وجود وسائل مناسبة لمعالجة مخلفاتها والتخلص منها، بما يجنبنا تكرار المشكلة ذاتها في السنوات القادمة. *الكاتب:عضو جمعية العلوم الاقتصادية عضو اتحاد الصحفيين (موقع:أخبار سوريا الوطن)

شارك الخبر: