جدل السلطة والهوية في رواية "الدوار الجنوبي": تحليل معمق لرؤية مفيد عيسى أحمد


هذا الخبر بعنوان "جـــدل السّلطـــة والهُويّــة في روايـة “الــدّوار الجنوبــيّ”لمفيد عيسى أحمد" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: أحمد الحسين
تُقدم رواية "الدوار الجنوبي" لمؤلفها مفيد عيسى أحمد، الصادرة عن دار أكسجين في أونتاريو بكندا عام 2025، رؤية جمالية تتفاعل مع مفهوم السلطة وآلية تجسيدها في النص السردي، مركزةً على سؤال الهوية. لا تتجلى هذه الرؤية الجمالية بعد اكتمال السرد، بل تتداخل معه منذ البداية، مؤثرةً في كيفية تناول الكاتب للسلطة، مما يجعلها تفقد طبيعتها كمضمون خارجي لتصبح مبدأً تنظيمياً جمالياً للنص.
السلطة بين المفهوم السياسي والتجسيد النصي
تتجلى هذه البنية التنظيمية من خلال تشكيل بنية نصية محددة، حيث لا تظل السلطة مجرد مفهوم سياسي مجرد، بل تتجسد في الشخصيات التي تمارسها، وشبكة العلاقات المحيطة بها، والأفعال الناتجة عنها. تتحول السلطة إلى قوة درامية تشكل الحدث، ولا يقتصر بناء الشخصية على خصائصها الفردية فحسب، بل يتحدد أيضاً بموقعها ضمن شبكة القوة والهيمنة. ومن هذا المنطلق، يتولد أحد أهم مظاهر التشكيل الفني في الرواية، وهو بناء شبكة من الشخصيات والمصائر المتعددة بدلاً من الاقتصار على علاقة ثنائية بين حاكم ومحكوم. عندما تُسرد السلطة كشبكة علاقات، فإنها تنتج بدورها شبكة سردية من الشخصيات الباحثة عن ذواتها والساعية لتشكيل هوياتها، مما يدفع الحكاية إلى التشعب والتقاطع. يصبح المصير الفردي والبحث عن الهوية الفردية لأي شخصية في النص متصلاً بمصائر الشخصيات الأخرى وسعيها لبناء ذواتها. وهكذا، يصبح تعدد الشخصيات وتداخل حكاياتها نتيجة لآلية سرد السلطة، وليس مجرد خيار تقني منفصل عنها.
تبدد قوة المعلم ومصائر الشخصيات
حرص مفيد عيسى أحمد على أن تحمل شخصية "المعلم" نقطة ضعف غير مرئية تمثل مقتلها. لذا، لا يحتفظ "المعلم" بكامل قوته في الرواية، بل تتضاءل تدريجياً حتى يغادر الفضاء السردي، تاركاً المجال لقوة غير مرئية للهيمنة على الفضاء الروائي والتحكم بمصائر الشخصيات. يتخذ تبدد قوة "المعلم" دلالته حين نتابع أثره في تحديد مصائر الشخصيات المتعددة التي ربطت وجودها به، والتي تمثل إمكانية للصعود والرغبة في بناء هوية بمعزل عنه. فالسلطة التي بدت قادرة على تحقيق الرغبات وتشكيل الهويات الفردية، تكشف لاحقاً عن طبيعتها التدميرية، فلا تمنح الشخصيات المقتربة منها القدرة على بناء مصائرها، بل تجعلها معلقة بإرادة قوة غير مرئية أكبر منها، سرعان ما تتخلى عنها، وتدفع بها إلى القاع والهامش والعدم والموت.
هشاشة الشخصية، وتشظي الكينونة
تتجلى هذه المفارقة بوضوح في شخصية الفتاة القروية التي يتزوجها "المعلم" لليلة واحدة، ثم يأمر بنقلها إلى قريتها وإلقائها هناك كخرقة بالية. اختزال العلاقة مع الفتاة إلى زواج شكلي يكشف منذ البداية عن اختلال جذري في ميزان القوة: فما تراه الفتاة فرصة للانتقال من الفقر إلى الثراء والصعود، يراه "المعلم" علاقة عابرة يمكن إنهاؤها بخطوة منفردة. يتحول الزواج سردياً إلى آلية لتكريس هشاشة شخصية الفتاة القروية وتجريدها من القدرة على تقرير مصيرها. تكمن أهمية شخصية الفتاة في أنها لا تمثل الخضوع للسلطة وحده، بل تكشف عن الوجه الآخر لعلاقة الفرد بها؛ فهي لم تكن تحلم بالخلاص من منظومة القوة، بل بالدخول إليها، وكانت تتطلع إلى أن تمنحها علاقتها بالمعلم حياة مترفة تخرجها من الفقر إلى حيّز آخر يساعدها على إشباع رغباتها الاستهلاكية. لذلك، كانت السلطة تمثل في وعيها وسيلة للصعود حتى لو كان الثمن التخلي عن جانب مهم من إنسانيتها وكينونتها الداخلية. وهنا نشأت المفارقة التي منحت هذه الشخصية قيمتها الفنية: فما بدا لها في البداية طريقاً لامتلاك الحياة يتحول إلى آلية لتشظي الكينونة؛ فسعيها لتجاوز موقعها الاجتماعي انتهى إلى فقدانها القدرة على امتلاك مصيرها وإعادة بناء هويتها. انتقلت ظاهرياً من الهامش إلى المركز، لكنها أعيدت إلى الهامش بصورة أقسى؛ لأن صعودها لم يكن قائماً على امتلاكها لذاتها، بل على إرادة سلطة أخرى أقوى منها. كشف مصيرها المأساوي عن آلية مهمة من آليات سرد السلطة في الرواية، تتمثل في إغراء السلطة ثم سحب الوعد؛ فالسلطة لا تظهر دائماً في صورة القهر المباشر، بل قد تظهر كإمكانية واعدة بالخلاص وتحقيق الرغبة، ثم تكشف عن وجهها القهري عندما يصبح الفرد متعلقاً بها. تتداخل الرغبة مع الهيمنة، ويتحول الطموح الفردي إلى أحد الأشكال التي تعيد السلطة من خلالها إنتاج نفسها. لذلك، فإن التخلص من "المعلم" أو تبدد قوته لا يؤدي إلى إنقاذ هذه الشخصية من مصيرها المحتوم؛ لأن مصيرها لم يعد متعلقاً بالمعلم وحده، بل بالمنظومة التي جعلت حياتها وآلية بنائها لذاتها مرتبطة بمركز السلطة. وحين يتراجع هذا المركز، لا تجد الشخصية ذاتاً مستقلة لها تستند إليها، فتغدو معرضة للسقوط. تكتسب النهاية الفاجعة لشخصية الفتاة وظيفة تتجاوز المأساة الفردية؛ فهي تكشف عن انهيار الوهم الذي ربط آلية تحقيق الذات بالانضواء داخل منظومة السلطة. الفتاة التي طمحت لتجاوز فقرها بزواجها من المعلم لم تصل إلى الحياة المترفة التي تخيلتها، بل أعيدت إلى قريتها بعد اختزالها إلى جسد قابل للاستعمال مرة واحدة؛ وبذلك يتحول الاستهلاك الذي كانت تطمح إليه إلى استهلاك لإنسانيتها ذاتها؛ فتصبح هي نفسها موضوعاً للاستهلاك داخل منظومة السلطة العاتية.
المفارقة كآلية لبناء الشخصية
أصبحت هذه المفارقة من أهم آليات بناء الشخصية في الرواية؛ فلم تُبنَ الشخصية فقط من خلال صفاتها الفردية أو أفعالها، بل من خلال الفارق بين ما كانت تتطلع إليه وما آل إليه حالها الفاجع. هذا الفارق منح آلية سرد السلطة بعدها الدلالي؛ فالسلطة تنتج الوهم أولاً، ثم تسلب الشخصية القدرة على تحقيقه، وتتركها في مواجهة مصير لم تعد تملك القدرة على تغييره. يسهم هذا المسار في نقل الرواية من مركزية "المعلم" إلى تعدد المصائر المنهارة؛ فحين يتبدد مركز القوة، لا تتوقف الحكاية المسرودة عن الاندياح، بل تبدأ آثار انهيار هذا التبدد في الظهور على الشخصيات الأخرى المرتبطة به بدرجات متفاوتة؛ وهكذا يصبح تفكك سلطة "المعلم" آلية لتوليد حكايات السقوط، وتتشكل البنية الروائية من خلال انتقال أثر القوة المتضائلة من المركز إلى الأطراف. تتضح العلاقة بين سرد السلطة وبناء الشكل الفني بصورة أعمق؛ فقوة المعلم تتبدد، لكن آثارها لا تتضاءل، بل تنتقل إلى مصائر الشخصيات. وكلما انحسر المركز الظاهر، ازداد حضور القوة غير المنظورة التي تعيد توزيع الخوف والخسارة والموت؛ ومن هنا يصبح السقوط الفردي للشخصية جزءاً من حركة أوسع في الرواية، هي حركة انتقال السلطة من التجسد إلى الأثر، ومن الإرادة الشخصية إلى القوة غير المرئية.
آلية إنتاج التبعية
تكشف شخصية الفتاة القروية في هذا السياق أن الرواية لا تقيم علاقة بسيطة بين السلطة وضحاياها؛ فهي ترصد كذلك تورط الرغبة الفردية في إنتاج العلاقة السلطوية؛ فالإنسان قد يقترب من السلطة لا خوفاً منها فحسب، بل طمعاً فيما تعد به من ثروة ومكانة وامتياز. هذه الرغبة لا تمنحه الاستقلال عنها، بل تجعله أكثر ارتهاناً لها. وحين تسحب السلطة وعدها وتتخلى عنه، يجد نفسه بلا حماية أو قدرة على استعادة ذاته وترميم كينونته المتشظية؛ وهكذا يتحول مصير الفتاة من حكاية امرأة خُذلت في زواجها إلى علامة على بنية أوسع تتلخص في أن السلطة حين تصبح طريقاً وحيداً للخلاص وتشكيل الهوية؛ يتحول الطموح إلى أداة لإعادة تشظي الذات وإنتاج التبعية للسلطة، ويصبح الصعود الظاهري مقدمة لتشظ وسقوط أعمق. تسهم هذه النتيجة في تفسير الطابع الفاجعي الذي يتخذ شكلاً متزايداً كلما تفكك المركز السلطوي في الرواية؛ وهنا تتضح مرة أخرى خصوصية سرد السلطة في "الدوار الجنوبي": فالسلطة لا تكتفي بقهر الشخصيات من الخارج والحيلولة بينها وبين تحقيق ذواتها، بل تتسلل إلى رغباتها نفسها، فتجعل بعض تطلعاتها جزءاً من آلية إخضاعها؛ وبذلك يصبح الصراع مع السلطة أكثر تعقيداً من مواجهة قوة خارجية؛ لأنه يتحول إلى صراع داخل الذات، كما يتحول إلى صراع بين الهوية والرغبة في امتلاك الحياة والحفاظ على الكينونة الإنسانية. (أخبار سوريا الوطن-مجلة البعد الخامس الثقافية بيروت)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة