سوريا
ثقافة

الآثار المصرية: كيف تستغل الفتاوى الدينية لتبرير نهب الكنوز الفرعونية؟

syriahomenews٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٠٢ ص0 مشاهدة
الآثار المصرية: كيف تستغل الفتاوى الدينية لتبرير نهب الكنوز الفرعونية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "التنقيب غير المشروع عن الآثار في مصر… حين تُستَدعى الفتاوى لتبرير الجريمة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تغري فرص الثراء السريع الكثيرين، ويزداد بريقها حين تتطلب جهداً ومالاً قليلاً، وقد تبدو أكثر إغراءً لبعضهم إذا شعروا براحة الضمير تجاه ما يفعلونه. وينطبق جانب من ذلك على التنقيب غير المشروع عن الآثار والاتجار بها في مصر. فحين ينظر الباحث عن الثراء إلى الجهد الذي يتطلبه الوصول إلى “الكنوز” المدفونة في باطن الأرض، يجد أن الجهد لا يُذكر مقارنة بالراحة التي يتخيّل أنه سينعم بها بقيّة حياته. أما المال الذي ينفقه، فهو زهيد مقابل الثروة الباهظة التي “تنتظره”. وتأتي “راحة” الضمير، بدرجات تتفاوت من شخص لآخر، بحسب درجة وعيه واطلاعه. لكن في كل الأحوال، ثمة خطاب ديني متغلغل في المجتمع المصري، روّجته تيارات الإسلام السياسي، على مرّ عقود، يركز على “راحة” الضمير، أو بصيغة أكثر دقة، تخديره أو تغييبه تماماً.

ويرى كبير الأثريين في وزارة السياحة والآثار المصرية الدكتور مجدي شاكر أن الخطاب الديني الذي روّجته تيارات سلفية بكثافة، في أعقاب أحداث 25 كانون الثاني/يناير 2011، ليس هو العامل الوحيد. ويقول لـ”النهار”: “من قرّر نهب الآثار سيفعل، سواء وجد ذلك الخطاب أو لم يوجد، وإن كان الترويج له نشط بشكل ملحوظ، في أعقاب الثورة، وتوغل في بعض المناطق”. ومع عدم توافر إحصائيات موثوقة عن عدد عمليات التنقيب عن الآثار خارج إطار القانون هنا، أو دراسات تحدد درجة مساهمة هذا الخطاب في مجمل الجرائم التي تُرتكب، فإن البيانات التي تنشرها وزارة الداخلية المصرية، بشكل متكرر، للإعلان عن ضبط المنقبين والتجار غير الشرعيين في الآثار، تعطي مؤشراً إلى تكرار الجريمة، وترسم القصص المتداولة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل صورة لموقع الخطاب الديني التقليدي في المشهد.

المزادات وإغراءات الثراء السريع

يعتقد شاكر أن ارتفاع قيمة القطع الأثرية التي تعود إلى عصور قدماء المصريين، والتي تُعرض في مزادات خارج مصر، له دورٌ في إغراء المنقبين غير الشرعيين بالبحث عن الآثار. ويقول شاكر: “نلاحظ أن هذا لا يقتصر على الطبقات الفقيرة، أو في مناطق معينة، ولكنه للأسف ينتشر في كثير من المناطق والطبقات الاجتماعية. لذا نطالع في وسائل الإعلام، بشكل شبه يومي، أخباراً عن ضبط أشخاص يحفرون أسفل منازلهم، يبحثون خلسة عن الآثار، أو تنهار عليهم التربة خلال عمليات الحفر. وثمة “مافيا” تدير تلك التجارة غير المشروعة في الداخل والخارج”.

ويشير كبير الأثريين إلى أن كثيراً من عمليات البحث تشمل ممارسات خرافية، مثل السحر باستخدام “الزئبق الأحمر”، وما يُعرف بـ”الرصدة” أو الجن الحارس الذي سُخّر لحماية المقابر المصرية القديمة، وإصابة من يحاول نهبها باللعنة، واللجوء إلى شيوخ يقومون بفك هذا السحر باستخدام الطلاسم. ويضيف: “ما زالت تلك الجرائم تحدث رغم الجهود التي تبذلها الدولة للتصدّي لها وتشديد العقوبات المفروضة على مرتكبيها”.

خطاب ديني يواجه الفتاوى الرسمية

يتلاعب الخطاب الذي تتبنّاه حركات الإسلام السياسي، بمفهوم فقهي قديم (الركاز)، ويعتبر الآثار التي هي إرث حضاري ووطني وإنساني لا يُقدَّر بثمن، “ركازاً”. كذلك، يهاجم مروّجو ذلك الخطاب الفتاوى المعاصرة التي تتبنّاها المؤسسات الإسلامية الرسمية في مصر، وهي الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف، والتي تحرّم التنقيب والاتجار غير المشروع بالآثار. ويرى الإمام والخطيب في وزارة الأوقاف المصرية والباحث الأكاديمي في قسم بحوث التراث وعلم المخطوطات بمعهد البحوث والدراسات العربية الشيخ أسامة إبراهيم أن تحديد الحكم الفقهي المتعلق بالآثار يقتضي أولاً التمييز بين مفاهيم محددة. ويقول الشيخ إبراهيم لـ”النهار”: “ينبغي التمييز بين أربعة أشياء: 1- الركاز: وهو مال مدفون في الأرض من دفائن الجاهلية، وفق التعريف الفقهي المشهور. 2- الآثار التاريخية: بقايا مادية ذات قيمة حضارية، مثل التماثيل والنقوش والمقابر والعملات القديمة والمخطوطات”. ويضيف: “3- الملكية الخاصة: حق الشخص في أرض أو عقار وفق النظام القانوني المعاصر، ولا يلزم منه تلقائياً امتلاك كل ما يوجد في باطن الأرض. 4- التراث الوطني: الآثار بوصفها جزءاً من الذاكرة التاريخية والهويّة الحضارية والمصلحة العامة للدولة والمجتمع”. ويخلص من تلك التعريفات، إلى أن الخلط بين المفاهيم الأربعة يؤدي إلى تطبيق أحكام الركاز على الآثار من دون مراعاة اختلاف السياق القانوني والحضاري المعاصر. ويقول: “ليس كل ما يُستخرج من الأرض ركازاً بالمعنى الفقهي القديم، وليس كل ما كان ركازاً في التصنيف القديم يساوي الآثار الأثرية في التصنيف القانوني والحضاري الحديث”.

عند “الشيخ” الذي يبدأ “فك السحر”

تؤدي الخرافات التي تصبغ بطابع ديني دوراً محورياً في تحفيز عمليات البحث عن الآثار خارج إطار القانون، إذ تبدأ فكرة التنقيب غالباً باستشارة أحد الأشخاص الذين يُطلَق عليهم في تلك الأوساط وصف “شيخ”. ولا يقتصر ذلك على الفئات الأقل تعليماً، بل ظهر في بعض الوقائع التي ضُبطت بين أشخاص على قدر جيد من التعليم، وربما كانت واحدة من أشهر الوقائع، قضيّة عُرفت بـ”نائب الجن والعفاريت”. وترتبط القضية بنائب برلماني سابق، ادعى قدرته على الاتصال بالجن وتسخيرهم، وأُلقي القبض عليه في قضيّة عُرفت باسم “قضيّة الآثار الكبرى” عام 2021، بتهمة تزعّم تشكيل عصابي متخصّص في التنقيب غير المشروع عن الآثار. ويقول أحد من يطلق عليهم وصف “شيخ” في تلك الأوساط، واسمه المستعار “أبو رحمة”، في حديث لـ”النهار”: “نحن نستطيع تحديد الأماكن التي توجد بها آثار مدفونة. غالباً يكون أحد الأفراد من سكان المنزل أو المكان الذي توجد به مقبرة أو آثار مصرية قديمة، يكون معه السر، حتى وإن كان لا يعلم بتلك “الحقيقة”. ونعرف ذلك من بعض العلامات، ومنها أن هذا الفرد تنتابه أعراض مثل الصداع، أو آلام ليس لها سبب طبّي، أو قد تأتيه أحلام في منامه، تخبره بوجود مقبرة أو كنز ما أسفل منزله أو في مكان ما”.

هنا يأتي دور “الشيخ” الذي يبدأ بـ”فك السحر”، ويتعامل مع “الرصدة”، وهي، بحسب وصف “أبو رحمة”، الجنّي المسخّر لحماية المقبرة، وقد يتجسّد في شكل ثعبان أو ديك يتحرّك في نطاقها لحمايتها. وتتباين طلبات “الشيخ” لفك السحر. فقد يطلب بخوراً أو مستلزمات أخرى، ثم تختلف التكاليف التي يدفعها المنقب له، هذا إضافة إلى حصوله على الحصّة التي يقول فقهاء قدامى إنه يجب إخراجها فور العثور على “الركاز”، وهي الخُمس (20%). ويلفت كبير الأثريين إلى أن فكرة “الرصدة” و”لعنة الفراعنة” غير علمية وغير واقعية، وإن كان لها جذور عتيقة. ويقول: “استخدم قدماء المصريين فكرة “اللعنة”، وكانت لديهم نصوص يكتبونها على مقابرهم تحذر من نهبها. ومع هذا نُهب الكثير منها، وتوجد بردية توثق ذلك اسمها “أبوت” أو بردية سرقات المقابر، توثق ما حدث “. ويشير الخبير الأثري إلى أن “جملة “اسفوخص عليك”، التي يقولها المصريون حالياً في لغتهم العامية لمن يغضبون منه، لها جذور قديمة. فهي مركبة من كلمتين هما “سفخ” و”إخص”، وتعنيان بالترتيب: اللعنات السبع، وقد كان القدماء يكتبونها لتخويف من يقترب من مقابرهم، بأنه ستصيبه اللعنات السبع”.

عقوبات قانونية رادعة

يقول الخبير القانوني والمحامي بالنقض هاني صبري لـ”النهار” إن “قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 والمعدل برقم 91 لسنة 2018 واجه الجرائم بعقوبات رادعة، باعتبار الآثار المصرية ثروة قومية وإرثاً حضارياً تجب حمايتها والحفاظ عليها”. ويشير الخبير إلى أن “المادة الأولى من القانون رقم 117 لسنة 1983 اشترطت لوصف الأثر أن يكون من إنتاج الحضارات المختلفة أو أحدثته الفنون والعلوم والآداب والأديان من عصر ما قبل التاريخ وخلال العصور التاريخية المتعاقبة، حتى قبل مئة عام، متى كانت له قيمة أو أهمية أثرية أو تاريخية، باعتباره مظهراً من مظاهر الحضارات المختلفة التي قامت على أرض مصر أو كانت لها صلة تاريخية بها، وكذلك رفات السلالات البشرية والكائنات المعاصرة لها، أو أن يعتبرها رئيس الوزراء أثراً وفق المادة الثانية من القانون ذاته”. ومن المقرر قانوناً، وفقاً لنص المادة الثالثة من القانون رقم 117 لسنة 1983 بشأن الآثار، أنه “تُعتبر أرضاً أثرية الأراضي المملوكة للدولة التي اعتُبرت أثرية بمقتضى قرارات أو أوامر سابقة على العمل بهذا القانون أو التي يصدر باعتبارها كذلك قرار من رئيس مجلس الوزراء بناءً على عرض الوزير المختص بشؤون الثقافة “.

شارك الخبر: