الردع العام: ضرورة ملحة لمواجهة تفشي الجريمة في سوريا


هذا الخبر بعنوان "الردع العام كأحد أهم أهداف قوانين العقوبات في العالم" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سوريا، وتحديدًا في مدينة حلب، تتجول في الشوارع شخصيات يمكن وصفها بـ”مشاريع مجرمين”. هؤلاء الأفراد، الذين انخرطوا سابقًا في تجارة المخدرات أو عملوا مع ميليشيات مسلحة، أو نشأوا في ظروف الحرب القاسية التي افتقرت للتربية والتعليم وانتشرت فيها الرذائل وضعفت فيها المحاسبة الاجتماعية والرسمية، يشكلون مصدرًا لعدم الاستقرار وانعدام الأمان داخل المجتمع. هذا الوضع يسهّل ارتكاب أعمال العنف، بما في ذلك القتل والخطف والسرقة. لا يكاد يمر يوم دون سماع أو رؤية جريمة قتل أو خطف، بدءًا من جرائم قتل الأطفال في درعا ودير الزور، مرورًا بجريمة قتل الصيدلي في حماة بكل استهتار، وصولًا إلى جريمة قتل وقعت مؤخرًا في حلب بسبب خلاف تافه حول تطاير المياه من سيارة على دراجة نارية، وهو ما أدى إلى إنهاء حياة إنسان وحرمان أطفاله من والدهم. اللافت في العديد من هذه الحالات هو تفاهة السبب وافتخار المجرم بفعلته، بل وتوثيقه بالصور ومقاطع الفيديو، مما يعكس عمق الحالة الإجرامية التي وصل إليها هؤلاء القتلة. لذا، يتوجب على الجميع العمل على إيجاد حلول عاجلة ورادعة لهذه الظاهرة.
الشق الجزائي: يتطلب الأمر إجراء مسح ميداني جنائي شامل لجميع الأشخاص الخطرين ووضعهم تحت المراقبة، واتخاذ إجراءات احترازية واستباقية. يجب على القضاء التركيز على هدف الردع العام عند تنفيذ العقوبات الصادرة بحق المدانين بأحكام قضائية قطعية، وخاصة أحكام الإعدام، وعدم الاكتفاء بالنطق بها في قاعات المحاكم. إن قوانين العقوبات في العالم تهدف بشكل أساسي إلى تحقيق هدفين: الردع الخاص للفاعل، والردع العام الذي يتمثل في إخافة الأفراد ذوي الميول الإجرامية من ارتكاب الأفعال المماثلة، وذلك بضمان نيلهم ذات العقاب. إن عدم التنفيذ العلني للعقوبات يفقدها أهميتها كأداة للردع العام، مما يؤدي إلى تكرار الجرائم بنفس الظروف. فالمجرم، مهما بلغت درجة انحرافه، يقوم بعملية موازنة بين المنفعة والضرر قبل ارتكاب الجريمة. إذا رجح الضرر المتوقع، فإنه يعيد حساباته ويتراجع عن الفعل، أما إذا رجحت المنفعة، فيستسهل ارتكابها.
قد يجادل البعض بأنه لا يمكن تنفيذ العقوبات الجزائية القاسية، مثل الإعدام، في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد، ومع الأخذ في الاعتبار قضايا حقوق الإنسان وتوجه بعض الدول نحو إلغاء عقوبة الإعدام. إلا أن الرد على هذا التبرير يكمن في أن وظيفة الدولة الأساسية هي رعاية المصلحة العامة وتقديمها على المصلحة الخاصة. إن من يرتكب جريمة يعتدي على المجتمع ككل وعلى المجني عليه، وللمجتمع، ممثلاً بالسلطة، الحق في حماية نفسه ومعاقبة المعتدين. إن تنفيذ العقوبات الرادعة عبر المؤسسات القانونية للدولة لا يشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان، بل هو حماية لهذه الحقوق من المعتدين، ويضمن حق الطفل والمرأة وجميع المواطنين في العيش ببيئة آمنة وخالية من الجريمة. إن قضايا حقوق الإنسان تُستغل أحيانًا لأغراض سياسية وابتزاز سياسي بين الدول، ولا تعكس دائمًا التطبيق الفعلي في الحالات الجنائية التي تهدد أمن الأفراد والمجتمعات. حتى الدول التي تدعو إلى إلغاء عقوبة الإعدام، نجدها تفرضها وتنفذها في قضايا تشكل تهديدًا لأمن مجتمعاتها، كما حدث مؤخرًا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث صادق الرئيس دونالد ترامب على تنفيذ حكم الإعدام بحق الرائد نضال مالك حسن، الذي ارتكب مجزرة في قاعدة فورت هود عام 2009، مما يؤكد نظريات القانونيين وعلماء الإجرام والاجتماع حول ضرورة تحقيق الردع العام للحفاظ على أمن المجتمعات وسلامتها.
أما حقوق الإنسان التي تستحق التطبيق وفق فلسفة إنسانية واقعية، فهي تلك المتعلقة بحرية الرأي والتعبير والإعلام والآراء السياسية، وهي ممارسات لا تشكل خطرًا على الأفراد والمجتمع، بل تعزز الديمقراطية والحوار وتنمي الطاقات الإنسانية. يجب التفريق بوضوح بين مرتكبي الجرائم الجنائية وحماية حقوق الإنسان بهذا المفهوم، وهو ما يجب أن يدركه رجال القانون ووسائل الإعلام.
دور الإعلام والفعاليات الاجتماعية: يجب وضع خطة وطنية للإصلاح الأخلاقي في المجتمع من خلال برامج توعية وتوجيه متكاملة تبدأ من المدرسة، مرورًا بالفعاليات الدينية، وصولًا إلى منظمات المجتمع الأهلي. كما ينبغي وضع خطة وطنية لاستقطاب الشباب واليافعين نحو أنشطة إيجابية تستثمر طاقاتهم، مثل الأعمال التطوعية، وتنظيمهم ضمن كوادر شبابية لإبعادهم عن فراغ البطالة والجريمة. يجب أن تشارك في هذه الخطة جميع المؤسسات الرسمية والأهلية، كلٌ في مجال اختصاصه، بهدف الوصول إلى مجتمع آمن ينعم فيه الأفراد بالسلام ويكرسون طاقاتهم واهتماماتهم لبناء وطن ينعم فيه الجميع بالسلام والرفاه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة