جدل الهوية والأسماء المزدوجة.. قصة تعريب المدن والقرى الكردية في سوريا


هذا الخبر بعنوان "“تعريب” المناطق الكردية.. قضية أسماء مزدوجة لمدنٍ سورية" نشر أولاً على موقع North Press وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في بعض المناطق السورية، تتعدى أسماء المدن والبلدات والقرى كونها مجرد تسميات جغرافية موجودة على الخرائط ومثبتة في السجلات الرسمية، إذ تحمل في داخلها ذاكرة عميقة تأثرت بحقب زمنية عديدة من التغييرات السياسية. وفي المناطق ذات الغالبية الكردية، ولا سيما في الشرقية والشمالية للبلاد، ارتبطت مسألة أسماء الأماكن خلال العقود الماضية بصراع أوسع حول اللغة والهوية.
حيث اكتسبت معظم تلك المناطق أسماء مزدوجة، واحدة عربية رسمية وهي المعتمدة في السجلات الحكومية، وأخرى كردية يتداولها السكان فيما بينهم. إلا أن حقوقيين وباحثين كرد وثقوا أسماء مئات القرى والبلدات، وأشاروا إلى أن تلك المناطق “عُرّبت” بقرارات من وزارة الإدارة المحلية لدوافع سياسية، وخاصةً خلال عهدي حافظ الأسد وابنه بشار.
مدينة كوباني هي واحدة من أكثر القضايا التي أُثيرت في الفترة الأخيرة لما تحمله من اسم مزدوج، وهي من أبرز الأمثلة التي تطرحها قضية التعريب. وهنا يتحدث الكاتب والشاعر حسين محمد علي، وهو من سكان المدينة وقدامى مدرسيها، عن تاريخ التسمية، ومن أين بدأت حكاية المدينة قبل نحو قرن.
يقول علي لنورث برس، إن اسم كوباني ارتبط بظروف الحرب العالمية الأولى، حينها قررت الدولة العثمانية وحليفتها ألمانيا بناء سكة حديد في المنطقة، ومن هنا بدأت التسمية. ويضيف الكاتب “اسمها كان مشتقاً من كلمة Company (شركة) إذ تحوّل موقع المشروع إلى تجمع بشري نظراً لضخامته، ولسهولة اللفظ، كان يطلق عليها سكان المنطقة “كوباني” بدلاً من “كومباني”.
تتقاطع رواية الكاتب إلى حدٍّ ما مع رواية أخرى ترى أن اسم “كوباني” اشتُق من كلمة “بان” الألمانية، والتي تعني “طريق”، في إشارة إلى التسمية الألمانية لسكة الحديد التي تمر عبر المنطقة. إلا أنها تطرح تفسيراً آخر لأصل الاسم، مقارنةً بالرواية الأكثر تداولاً، والتي تقول إن اسم “كوباني” مأخوذ من “كوم باني”، وهو مصطلح كردي يعني “الاتحاد الأعلى”، أُطلق على تحالف عشائري كردي نشأ في تلك المنطقة.
أما تسمية “عين العرب”، فيربطها الكاتب بسياق جغرافي يعود إلى نبعٍ يقع شرق المدينة، إذ كان الرعاة الذين يأتون إليه للرعي يستدلون على المكان بوجود هذا النبع، ومن هنا جاءت تسمية “عين العرب”، أو كما يُسمّى بالكردية “كانيا عربان”، موضحاً أن هذه التسمية أطلقها الكرد أنفسهم.
وأكد الكاتب أن وجود كلمة “عرب” في الاسم لا يمثل بحد ذاته مشكلة بالنسبة إليه، وإنما تكمن القضية، بحسب رأيه، في الطريقة التي أصبحت بها الأسماء الرسمية جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى تغيير أسماء الأماكن.
على غرار كوباني، هناك العديد من المدن والبلدات في منطقة الجزيرة تمتلك أسماء مزدوجة أيضاً، منها القامشلي/ قامشلو وتربسبيه/ القحطانية. يعطي كوركين عيسى، عضو مؤسسة التعليم وحماية اللغة الكردية، مجموعة من الأمثلة على أسماء يشير إلى أنها تعرضت للتعريب.
وبحسب عيسى، يرتبط اسم مدينة القامشلي/ قامشلو بجذر كردي هو “قاميش”، الذي يشير إلى القصب، فيما يرى أن الصيغة الحالية خضعت لاحقاً لتغييرات لغوية مرتبطة بالتعريب. أما تربسبيه/ القحطانية، فيشرح عيسى لنورث برس أن الاسم ارتبط وفق روايات محلية، بقبور كانت موجودة في المنطقة ووُصفت بأنها بيضاء، لذلك الاسم بالعربية “القبور البيض” وترجمته إلى الكردية “تربسبيه”، ثم جرى فيما بعد استبدال الاسم بـ “القحطانية”، في إشارة إلى بني قحطان.
ويربط عيسى هذه الخطوة بمحاولة التخلص من الاسم الذي كان يُنظر إليه باعتباره ترجمة للاسم الكردي الأصلي. وتشمل الأمثلة التي يذكرها عيسى جل آغا/ الجوادية، كركي لكي/ معبدة، ديرك/ المالكية، إضافةً إلى عشرات القرى الأخرى التي فقدت أسماءها الأصلية، على حد تعبيره.
ويقدّر عيسى وجود نحو 150 قرية كردية ذات أسماء معرّبة، استناداً إلى ما لديه من معلومات، فيما يعتقد أن العدد قد يصل إلى 240 قرية على الأقل. يُرجّع عضو مؤسسة التعليم وحماية اللغة الكردية بدايات حركة التعريب في سوريا إلى مراحل مبكرة من تاريخ الدولة الحديثة، مشيراً إلى أنها ظهرت في مرحلة ما بعد العثمانيين، وترسخت أكثر خلال التحولات الإدارية التي شهدتها المناطق الحدودية خلال عشرينيات القرن الماضي.
تكشف قضية تعريب أسماء المدن والقرى في سوريا عن تحديات أعمق من مجرد اختلاف بين اسمين موجودين على خريطة جغرافية معينة، لتشمل قضية تتقاطع فيها السياسة وأهدافها مع اللغة والهوية والذاكرة. وفقاً لتقارير حقوقية، فإن تعريب أسماء الأماكن كان جزءاً من سياسات الدولة، لعل أبرزها “الإحصاء الاستثنائي” و”الحزام العربي”، وهما إجراءان ارتبطا تاريخياً بتوجهات الدولة تجاه الكرد، ولا سيما في شمال شرقي سوريا.
عام 1962، جرّد “الإحصاء الاستثنائي” أعداداً كبيرة من الكرد السوريين من الجنسية، وتقدّر “هيومن رايتس ووتش” عددهم بنحو 120 ألف شخص، في حين صُنّف من جُرّدوا من الجنسية ضمن فئة “الأجانب”، بينما أُدرج آخرون ضمن فئة “المكتومين”. وبعد وصول حزب البعث إلى السلطة، طُرحت خطة “الحزام العربي” عام 1965، لإعادة تشكيل التركيبة السكانية في أجزاء من المنطقة الحدودية في محافظة الحسكة.
يطالب شاهين العلي، وهو عضو مجلس الإدارة في اتحاد المحامين بكوباني، بإعادة اسم المدينة إلى “كوباني”، بما يعتبره تضحيات كبيرة قدمها سكان المدينة، ولا سيما خلال المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” عام 2014. ومن هذا المنطلق، يرى المحامي أن إعادة الاسم لا ينبغي أن تقتصر على الاستخدام الشعبي، بل أن تشمل المستندات الرسمية.
يلفت العلي لنورث برس، إلى إن أهالي المدينة يمكنهم تقديم عريضة عبر الإدارة المحلية للمطالبة بتغيير الاسم، كما يمكن أن يتم ذلك بقرار من الجهة الحكومية المختصة أو بمرسوم رئاسي، وفق الصلاحيات القانونية المعمول بها. وفي السياق، يدعو الكاتب والشاعر حسين محمد علي الحكومة السورية بأن تعيد النظر في هذه المسألة، كحق من حقوق الكرد، وأن تعود هذه التسميات إلى أسمائها التاريخية ويُعترف بها رسمياً.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة