سوريا
اقتصاد

إغلاق معبر نصيب: سوريا تعيد رسم خريطة تجارتها نحو الخليج في ظل تطورات درعا

الحل نت٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٠٨ ص0 مشاهدة
إغلاق معبر نصيب: سوريا تعيد رسم خريطة تجارتها نحو الخليج في ظل تطورات درعا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ما بعد إغلاق “نصيب”.. كيف تعيد سوريا رسم خريطة تجارتها ومسارات العبور نحو الخليج؟" نشر أولاً على موقع الحل نت وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تكد حركة التجارة والترانزيت البري بين سوريا والأردن تستعيد زخمها، حتى أعادت التطورات الأمنية في الجنوب السوري خلط الأوراق أمام المصدرين والمستوردين وشركات النقل. فقد أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية إغلاق معبر نصيب الحدودي مع الأردن، في الساعات الأولى من صباح اليوم الثلاثاء، وتعليق حركة المسافرين والتبادل التجاري في الاتجاهين، على خلفية التطورات الميدانية في محافظة درعا، عقب غارات جوية أردنية استهدفت مواقع في جنوب سوريا.

إغلاق نصيب يعطّل شريان التجارة

جاء القرار وفق بيان الهيئة حرصاً على سلامة المسافرين والعاملين، من دون تحديد موعد لاستئناف الحركة. ويتجاوز أثر الإعلان الاقتصادي مدة الإغلاق الفعلية إذا امتدت الإجراءات أو تعذر استئناف حركة الشاحنات بصورة طبيعية؛ إذ لا تتوقف المخاطر عند تأخر البضائع، بل تشمل ارتفاع تكاليف النقل والتخزين، واحتمال تلف المنتجات سريعة العطب، وتعطل مواعيد التسليم والتصدير.

ويمثل معبر نصيب، الذي يقابله معبر جابر على الجانب الأردني، أحد أهم المنافذ البرية التي تربط السوق السورية بالأردن ودول الخليج، لذا يعني تعطله احتمال تأخر شحنات الواردات اللازمة للأسواق والمصانع، فضلاً عن تعقيد وصول المنتجات السورية إلى الأسواق الخارجية، خصوصاً في المواسم الزراعية التي ترتبط فيها الجدوى التجارية بسرعة النقل وانخفاض تكاليفه.

وتكشف بيانات التجارة عن حجم المصالح الاقتصادية المعرضة للتأثر، فوفقاً لبيانات غرفة تجارة عمّان في الأول من نيسان/أبريل 2026، ارتفع التبادل التجاري بين البلدين إلى 334 مليون دينار أردني خلال عام 2025، مقابل 116 مليون دينار في 2024، بزيادة تقارب 188 بالمئة. وبلغت الصادرات الأردنية إلى سوريا نحو 252 مليون دينار، مقابل مستوردات من السوق السورية بقيمة 82 مليون دينار.

التبادل التجاري يقفز.. والميزان يميل للأردن

استمر نمو الصادرات الأردنية خلال الأشهر الأولى من العام الحالي؛ إذ أظهرت بيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، في 24 حزيران/يونيو، ارتفاع الصادرات إلى سوريا بنسبة 38.4 بالمئة خلال الثلث الأول من 2026، لتبلغ 101 مليون دينار، مقارنة بـ73 مليون دينار خلال الفترة نفسها من العام السابق. وفي المقابل، تراجعت الواردات الأردنية من سوريا بنسبة 42.9 بالمئة، إلى 12 مليون دينار، مقابل 21 مليوناً.

تشير هذه المؤشرات إلى أن السوق السورية باتت وجهة مهمة للمنتجات الأردنية، وفي مقدمتها مواد البناء، مثل الإسمنت والحديد والرخام والأنابيب، إلى جانب المعدات الكهربائية والسلع الغذائية والمنتجات الكيماوية. كما تكشف عن اختلال واضح في الميزان التجاري لمصلحة الأردن، في ظل محدودية الصادرات السورية مقارنة بالسلع المتدفقة إلى السوق المحلية. ومن شأن استمرار تعطل المعبر أن يرفع تكاليف وصول هذه الإمدادات، ويضيف أعباء جديدة على الشركات السورية التي تعتمد على الاستيراد لتلبية الطلب المحلي أو تأمين مدخلات الإنتاج.

اختبار المسارات البديلة

لكن العبء الأكبر قد يقع على الصادرات الزراعية السورية المتجهة إلى الخليج عبر الأراضي الأردنية، فإغلاق المعبر يفرض على المصدرين البحث عن مسارات أخرى أو تأجيل الشحنات، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التبريد والتخزين، أو خسارة جزء من قيمة المنتجات سريعة التلف. وفي مواجهة هذا الاحتمال، يبرز المسار العراقي عبر منفذ البوكمال السوري والقائم العراقي بوصفه أحد الخيارات البرية الممكنة لبعض الشحنات، غير أن جدواه تتوقف على الوجهة النهائية، وطول الطريق، وتكاليف الوقود والتأمين والتخليص، فضلاً عن ترتيبات العبور داخل العراق. ولذلك لا يمكن افتراض أنه سيعوض تلقائياً حركة الشاحنات المتجهة عبر الأردن إلى السعودية ودول الخليج، أو أنه يوفر كلفة أقل من المسار المعتاد.

أما النقل البحري عبر مرفأي اللاذقية وطرطوس، فيتيح خياراً لبعض البضائع القابلة للتخزين والشحن بالحاويات، لكنه يحتاج إلى خطوط شحن متاحة، وترتيبات للمناولة والنقل إلى الأسواق المستهدفة. كما أن المرور عبر الموانئ اللبنانية قد يشكل خياراً لبعض الشحنات، لكنه يضيف حلقات لوجستية وتكاليف نقل ومناولة، ولا يمثل بديلاً مباشراً لجميع المنتجات التي كانت تعبر نصيب.

وتبقى المفاضلة بين هذه المسارات مرتبطة بكلفة الرحلة الكاملة، وليس بمجرد توافر منفذ حدودي بديل، فالشحنات الصناعية قد تتحمل التأخير وتكاليف إضافية ضمن حدود معينة، بينما تتراجع قدرة المنتجات الزراعية على المنافسة كلما طال زمن وصولها إلى الأسواق.

ضرورة تنويع الممرات

بذلك، يضع إغلاق نصيب التجارة السورية أمام اختبار جديد في مرحلة تحاول فيها البلاد استعادة علاقاتها الاقتصادية الإقليمية، ليكشف تكلفة الاعتماد على ممر بري رئيسي في منطقة تتأثر تطوراتها الأمنية مباشرة بحركة الاقتصاد. وإذا تكرر الإغلاق أو طال أمده، فستكون الأولوية أمام دمشق ليست مجرد تحويل الشاحنات إلى طرق أخرى، بل بناء شبكة نقل أكثر تنوعاً، وتحسين كفاءة المعابر، وتطوير صادرات قادرة على تحمل كلفة الوصول إلى الأسواق الخارجية. فاستدامة التعافي التجاري لا تتوقف على فتح الحدود فحسب، بل على ضمان بقائها قابلة للاستخدام بكلفة ووقت يمكن للشركات السورية تحملهما.

لا تكمن المعالجة في تحويل الشاحنات إلى طرق أطول فحسب، بل في تنويع منافذ التصدير، وتحسين التنسيق الجمركي، وتطوير خيارات النقل والتخزين. فاستمرار تعافي التجارة السورية يتطلب ممرات آمنة وقابلة للاستخدام، تضمن وصول البضائع في الوقت المناسب وبتكاليف لا تستنزف هوامش المنتجين والمصدرين.

شارك الخبر: