سوريا
سياسة

القصف الأردني على درعا: هل تفتح سوريا أبوابها للاعتداءات الخارجية؟

جريدة الوطن٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٠٠ ص0 مشاهدة
القصف الأردني على درعا: هل تفتح سوريا أبوابها للاعتداءات الخارجية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "القصف الأردني على الجنوب السوري.. وماذا أيضاً؟" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مرّ عامان على انتصار الثورة، اعتاد خلالهما السوريون على مشهد الغارات الإسرائيلية والتوغلات المتكررة في أراضيهم، وما يصاحبها من انتهاكات للسيادة الوطنية. ورغم الردود الرسمية التي اقتصرت على بيانات التنديد والاستنكار، يمكن تفهم هذا النهج في ظل ما خلفته سنوات الحرب التي شنها النظام السابق على الشعب السوري، وما استنزف من مقدرات البلاد في تدمير بنيتها. تحتاج البلاد إلى التقاط أنفاسها وإعادة بناء مؤسساتها، وتجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية غير متكافئة لا تملك الدولة مقومات خوضها في هذه المرحلة. لكن هذا لا يمنح السلطة هامشاً مفتوحاً لتأجيل استحقاقات السيادة والأمن الوطني إلى أجل غير معلوم، فالدول، حتى تلك الخارجة من الحروب، تحتاج إلى سياسة واضحة تحمي هيبتها وتضع حداً لمحاولات فرض الوقائع عليها بالقوة.

اليوم، جاء القصف الأردني لمنطقة اللجاة في درعا، من دولة شقيقة أبدت إيجابية تجاه الحكم الجديد في سوريا، مما فاجأ الكثيرين. لم تكن هناك حاجة لهذا القصف، إذ كان يمكن للحكومة الأردنية أن تطلب من دمشق التحقق من حقيقة المجموعة المستهدفة، أو القبض عليها إن ثبت تورطها في تفجير الكنيسة في الكرك. هذا المسار كان سيمنع سقوط مدنيين ويجنب الحكومة السورية الإحراج. ويبدو أن المفاجأة أصابت الحكومة السورية ذاتها، إذ جاء بيانها السريع معاتباً أكثر من أي شيء آخر.

يجد السوريون أنفسهم اليوم أمام سؤال جديد لا يمكن تجاوزه ببيان مقتضب أو موقف دبلوماسي عابر: إلى متى ستظل الأراضي السورية ساحة مفتوحة للعمليات العسكرية الخارجية؟ إن خطورة المسألة لا تكمن فقط في هوية الجهة المنفذة للقصف، أو طبيعة الأهداف المبررات المقدمة، بل في المبدأ الذي ينبغي أن يحكم علاقة سوريا بجيرانها. فلا تقوم علاقات إقليمية متوازنة إذا بقيت السيادة السورية قابلة للانتهاك كلما رأت دولة أخرى أن لديها ما يبرر تدخلها داخل الأراضي السورية.

إن معالجة التهديدات العابرة للحدود، سواء ارتبطت بالتهريب (المخدرات أو السلاح) أو بالجماعات المسلحة أو بأي نشاط غير قانوني، لا ينبغي أن تتحول إلى بديل من التنسيق الرسمي واحترام سيادة الدولة السورية. يجب على الحكومة السورية إيجاد الطريقة المناسبة لمنع إسرائيل والأردن وغيرهما من استهداف الأراضي السورية. وقد يكون توظيف النجاح الدبلوماسي للخارجية السورية وتوطيد العلاقات مع أهم دول العالم والإقليم في إرسال الإشارات المناسبة للدول المجاورة لسوريا خير وسيلة لوقف هذه الاستهدافات التي لم يعد السوري يقبل بتمريرها عبر بيان رسمي.

الحكومة السورية مطالبة اليوم بأكثر من إصدار البيانات. هي مطالبة بتوضيح ما جرى للرأي العام، وتحديد طبيعة الحادثة، ومخاطبة الجانب الأردني عبر القنوات الرسمية، والمطالبة بضمانات واضحة تحول دون تكرار مثل هذه العمليات، والمطالبة بتعويضات عن الخسائر البشرية والمادية. فمن حق السوريين أن يعرفوا ما الإجراءات التي ستُتخذ لمنع تكرار الانتهاكات.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى حرب ضد الأردن أو حتى إسرائيل، أو المطالبة برد عسكري متسرع قد يجر البلاد إلى مواجهة لا تحتملها. لكن ما بين الحرب والبيانات التقليدية مساحة واسعة من الأدوات السياسية والأمنية والدبلوماسية، تبدأ بالاحتجاج الرسمي الصريح، ولا تنتهي بتدويل القضية، وطلب ضمانات مكتوبة، وإعادة تقييم الترتيبات الأمنية الحدودية، واتخاذ إجراءات دفاعية متناسبة ومشروعة عند الضرورة.

على الدولة السورية اليوم، وهي ترى مدنيين أبرياء يسقطون خطأ أو قصداً، الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة، ومن الاكتفاء بشرح أسباب الصمت إلى وضع خطة عملية لتجاوزه. وإن كان لا مصلحة لها اليوم بالتصعيد، ولا تستطيع منع الاعتداءات فوراً، فهي تستطيع على الأقل رفع كلفتها السياسية والدبلوماسية، وتوثيقها، وحشد الدعم لموقفها، وبناء تدريجي لقدرات تمنع الآخرين من التعامل مع أراضيها باعتبارها مجالاً مباحاً.

التذرع الدائم بأن البلاد خارجة تواً من حرب طويلة، وبضعف الإمكانات، وبحاجة البلاد إلى سنوات طويلة من التعافي، لم يعد الجواب المناسب على كل سؤال يتعلق بالسيادة. نعم، سوريا خرجت من حرب مدمرة وتحتاج إلى إعادة بناء جيشها واقتصادها ومؤسساتها، لكن إعادة البناء ليست مساراً منفصلاً عن حماية السيادة، بل إن حماية السيادة أحد الدوافع الأساسية لإعادة البناء. سوريا ليست دولة صغيرة أو هامشية في محيطها، هي تاريخ وحضارة عريقة، وعلى حدودها وفي جغرافيتها تتقاطع مصالح إقليمية ودولية وثقل تاريخي وسياسي. واستعادة المكانة تبدأ ببناء مؤسسات فعالة، وجيش محترف، ودبلوماسية تعرف كيف تدير المصالح والتوازنات، وتفرض احترام الحقوق السورية دون مغامرات غير محسوبة. ورغم أنها قطعت عديد الخطوات في هذا الاتجاه، إلا أنها تحتاج الكثير منها بأقصى سرعة حتى يرتفع الجدار السوري فلا يقفز فوقه أحد.

قد يكون من المناسب أن تربط الحكومة أمنها بمحيطها وتجعله جزءاً من منظومة إقليمية، أقلّه في المرحلة الانتقالية. وعندما تستطيع ذلك، سيعرف جيرانها أن أمنهم لا ينفصل عن أمنها، وأن التعاون معها هو الطريق الأكثر استقراراً، وأن انتهاك سيادتها لن يكون حلاً مناسباً أو مجانياً.

بالأمس كانت إسرائيل، وهي مستمرة باستهداف السيادة السورية، وأضيف عليها اليوم الجار والشقيق. ولا يمكن لأي تبرير أن يجعل السوريين راضين عن مقتل مدنيين أبرياء منهم. وهنا، من المتوقع ألا تتكرر مثل هذه العملية من الشقيق الأردني، لكن الخشية أن يتطاول آخرون، دولاً أو ميليشات، على سوريا. وإذا ما استمر اقتصار رد الدولة السورية على البيانات، فهذا سيجعلها مضطرة للاستجابة للأصوات التي تدعو لتبني مشروع المقاومة الشعبية، لا سيما مع التطاول الإسرائيلي.

شارك الخبر: