أسواق حلب التاريخية: هل يعيد الترميم إحياء التجارة وسط التحديات الاقتصادية؟


هذا الخبر بعنوان "أسواق حلب التاريخية.. هل يعيد الترميم الحياة إلى المحال التجارية؟" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتواصل أعمال ترميم الأسواق التاريخية في حلب بعد سنوات من الدمار، في محاولة لإعادة المحال التجارية إلى أصحابها والحفاظ على الطابع التراثي للمدينة. إلا أن عودة النشاط التجاري لا تزال تواجه عقبات تتمثل في ضعف القدرة الشرائية وتراجع الطلب. في المقابل، يعلق التجار آمالهم على تنشيط السياحة وإعادة تأهيل المعالم التاريخية لاستعادة الحركة في الأسواق.
في سوق الجلّوم، أحد الأسواق القديمة في مدينة حلب، لم تكن إعادة فتح المحل نهاية رحلة طويلة من الخسائر، بل بداية مرحلة جديدة من التحديات. عاد محمد الدملخي إلى حلب بعد سنوات من النزوح، وعمل على إصلاح محله المتضرر وإعادة تجهيزه بإمكانياته الخاصة، مستأنفاً نشاطه التجاري في حزيران 2025. تطلبت إعادة تشغيل المحل، الذي لم تكن أضراره كبيرة مقارنة بالمنشآت المجاورة، إنفاق نحو 4 آلاف دولار على الإصلاحات والتجهيزات، دون الحصول على دعم من جهة مانحة.
واجه الدملخي تحديات تتجاوز ترميم المكان، أبرزها ضعف الحركة التجارية، ونقص البضائع، وتراجع الأسواق الخارجية التي كانت تستقبل المنتجات السورية قبل الحرب. فبعد أن كان يعتمد على التصدير إلى العراق والأردن ولبنان، اتجهت هذه الأسواق إلى موردين بديلين، وأصبحت مشترياتها من المنتجات السورية محدودة. كما يواجه التجار منافسة من البضائع المستوردة، في وقت تضررت فيه قدرات الإنتاج المحلي وجودة بعض المنتجات بفعل سنوات الحرب. يتوزع عمل الدملخي اليوم بين حلب وتركيا والعراق، في محاولة لمواكبة واقع تجاري جديد يتسم بمنافسة أشد.
لا تقتصر هذه التحديات على سوق الجلّوم، إذ يواجه تجار آخرون في أسواق حلب القديمة صعوبات تتعلق بضعف القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتراجع الطلب، رغم عودة بعضهم إلى محالهم بعد إصلاحها. يقول محمد زين، تاجر في الأسواق القديمة منذ عامي 2006 و2007، إن المنطقة تعرضت لدمار واسع، وإن عودته إلى العمل تطلبت إصلاح محله على نفقته الخاصة، وفق تعليمات الجهات المعنية بالحفاظ على الطابع التاريخي. يقدّر زين أن الحركة التجارية الحالية لا تتجاوز 10% من مستوياتها قبل عام 2011، مشيراً إلى أن ضعف المبيعات واستنزاف المدخرات دفعه إلى الاستدانة لتغطية نفقات المعيشة والاستمرار في العمل. المشكلة لا تقتصر على الأضرار المادية، بل تمتد إلى أوضاع أصحاب المحال الذين لا يملكون الموارد الكافية لإعادة ترميم ممتلكاتهم، فضلاً عن صعوبات الترخيص والإجراءات اللازمة للعودة إلى النشاط التجاري. كما يشير إلى تراجع بعض الحرف التقليدية مع وفاة عدد من أصحاب الخبرة ومغادرة آخرين البلاد، ما يهدد استمرار بعض الأنشطة التي ارتبطت تاريخياً بأسواق حلب.
يقترح الدملخي دعم الإنتاج المحلي، وتخفيف الأعباء الجمركية على المواد الأولية، وتنظيم المعارض التجارية، وفتح الأسواق الخارجية أمام المنتجات السورية، إلى جانب مراجعة الأعباء الضريبية على المشروعات الجديدة، كخطوات من شأنها مساعدة التجار على استعادة أعمالهم.
في موازاة التحديات الاقتصادية، تتواصل مشاريع ترميم الأسواق المتضررة، في محاولة لاستعادة بنيتها العمرانية والحفاظ على قيمتها التاريخية. يقول الدكتور حازم العُبيد، مدير البرامج في مكتب منظمة التنمية السورية بحلب، إن المنظمة تعمل على ترميم محور تجاري يضم 72 محلاً، بنسبة إنجاز تجاوزت 90%. بدأ المشروع في تشرين الثاني 2024، واختير المحور لحجم الأضرار التي لحقت به وموقعه الاستراتيجي. تستهدف الأعمال إعادة تأهيل المحال وفق معايير مديرية الآثار، مع الاستعانة بخرائط عقارية فرنسية للتحقق من الأبعاد والحفاظ على التفاصيل التاريخية. واجه المشروع تحديات عدة، منها الأضرار الإنشائية الكبيرة، ونقص العمالة المتخصصة في الترميم الأثري، وتأخر الدراسات والتصاميم.
لم يعد أصحاب المحال المستهدفة في المشروع إلى متاجرهم حتى الآن، بانتظار استكمال الأعمال. ويرى العُبيد أن ترميم محور تجاري بمعزل عن الأسواق المحيطة به قد لا يؤدي إلى انتعاش ملموس، إذ تبقى الحركة ضعيفة عندما يجاور السوق المُعاد تأهيله سوقٌ مدمر أو لا تزال أعمال ترميمه مستمرة. يرى أن استدامة التعافي تتطلب العمل على محاور متكاملة، وتوفير حوافز تشجع التجار على العودة، وإيجاد حلول لمواقف السيارات وتسهيل الوصول إلى الأسواق.
يقول الدكتور سامح خير الله، مدير العلاقات في الكتلة الأولى وممثل محافظة حلب، إن أعمال الترميم مستمرة في المدينة القديمة، مع التركيز على المحاور التجارية الرئيسية، بالتوازي مع إعداد دراسات للمناطق الأكثر تضرراً ووضع حلول بالتعاون مع الشركاء المحليين. تفيد التقديرات بأن نحو 70% من المدينة القديمة تعرض لأضرار كلية أو جزئية، لكنه يوضح عدم وجود إحصائية شاملة ودقيقة لعدد المحال التي أُعيد ترميمها أو لا تزال مغلقة. شملت أعمال الترميم معالم ومبانٍ تاريخية، من بينها الجامع الأموي الكبير، وعدد من المساجد والخانات والمباني التراثية، في حين تقترب أعمال التأهيل في سوق الزرب من مراحلها النهائية، مع التحضير للبدء بترميم أسواق أخرى مثل سوق العطارين وسوق الأبي. تعتمد أعمال الترميم على مصادر تمويل متعددة، تشمل مبادرات محلية ومنظمات وجمعيات محلية ودولية. تعمل المحافظة على تسهيل إجراءات الترخيص، ومعالجة مشكلات الملكية والعقارات الوقفية، وإحالة الحالات غير القادرة على تحمل تكاليف الإصلاح إلى الجهات الداعمة. تشكل الخدمات الأساسية، مثل النظافة والصرف الصحي والإنارة وتحسين الوصول إلى الأسواق، جزءاً من جهود إعادة تنشيط المدينة القديمة، إلى جانب التنسيق مع الجهات المعنية بسلامة الأبنية وحماية التراث. لا يحدد خير الله موعداً نهائياً لاستكمال الترميم، موضحاً أن المدة ترتبط بتوافر التمويل والموارد وقدرة الجهات المعنية على تنسيق الأعمال وتنفيذها.
يعلق التجار آمالهم على أن تؤدي إعادة تأهيل المعالم التاريخية وتنشيط السياحة إلى زيادة أعداد الزوار، وتحريك النشاط التجاري في المناطق المحيطة بها. يعتبرون أن عودة الزوار إلى المعالم التاريخية، مثل الجامع الأموي الكبير، يمكن أن تنعكس إيجاباً على الأسواق، إذا ترافقت مع توفير الخدمات اللازمة وتشجيع الأنشطة التجارية والحرفية. يبرز تفعيل الخانات والمباني التراثية وتحويلها إلى فضاءات تستقطب الزوار، وتنظيم الفعاليات والمعارض والأسواق الحرفية، بوصفه فرصة لربط الحفاظ على التراث بإيجاد نشاط اقتصادي مستمر.
يرى التجار أن عودة الزوار وحدها لا تكفي ما لم تترافق مع تحسن القدرة الشرائية، وتوافر البضائع، واستعادة الأسواق الخارجية، فضلاً عن تخفيف الأعباء التي تواجه أصحاب الأعمال الصغيرة. وبين جهود ترميم الحجر ومحاولات إعادة فتح المحال، تبدو استعادة أسواق حلب القديمة عملية تتجاوز إعادة بناء ما تهدم. فالحفاظ على هوية المدينة التاريخية يحتاج إلى حماية مبانيها وأسواقها، فيما تتطلب عودة الحياة التجارية توفير الظروف التي تسمح للتجار بالاستمرار، وللحرف التقليدية بالبقاء، وللزوار بأن يصبح حضورهم جزءاً من حركة اقتصادية مستدامة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد