تحالف مكة الثلاثي: قراءة في أبعاد قوة الردع والتحولات الجيوبوليتيكية بالمنطقة


هذا الخبر بعنوان "تحالف مكة الثلاثي: قوة ردع أم محور جيوبوليتيكي" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
رغم كل محاولات الامتصاص والتهدئة والعمل على معادلات الاستقرار والسلام وتجنب الحروب الكارثية، لكن الشرق الأوسط لا يهدأ ولا يستكين، ودائم التبدل والتغيير جزئيًا وكليًا، وتركيز متغيراته في المنطقة العربية شديدة الحذر والانتباه. فاليوم، وفي إطار المعادلات المتبدلة في الشرق الأوسط والتهديدات الكبرى المحتملة من نتائج الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، وآثارها العامة على المنطقة برمتها والخليج العربي بشكل خاص، يبدو أن المعادلة أوسع من إنهاء وتحجيم المشروع الإيراني فقط.
بل باتت تهدد أمن المنطقة برمتها وتبدل أدوارها ومعادلاتها، خاصة مع انكشاف شبه كامل للساحة أمام التوسع الإسرائيلي التدريجي في المنطقة، في محيطها الحيوي، وتحكمها بها بقواها متعددة الأبعاد والمتفوقة تقنيًا وعسكريًا وأمنيًا؛ والمنطقة العربية الآسيوية والجوار الإسرائيلي القريب في مصر هي نقطة ارتكاز هذه التغيرات بتفاصيلها وعمومها. فمنذ أن بدأت إسرائيل في العام 2023 بعملياتها العسكرية في غزة، وتلتها في جنوبي لبنان 2024، وصولًا لإيران بدايات هذا العام، والمنطقة لم تهدأ.
رغم أن الهدف المعلن كان إزاحة أذرع المعادلة الإيرانية من المنطقة، لكن محاولات فرض الشروط الإسرائيلية، سواء من خلال معاهدات السلام المفترضة أو التوسع الجزئي البري في محيطها الحيوي، مؤشرات قلق بادية. ولم يتوقف الموضوع عند هذه الحدود، فقد بادرت إسرائيل بإعلان تأسيسها لتحالفها السداسي الذي أعلن عنه نتنياهو، متمثلًا بإسرائيل والهند واليونان وقبرص، إضافة للإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا، وحديثًا الصومال.
هذا التحالف يمثل طوقًا أمنيًا وعسكريًا ليس على إيران وحسب، بل على دول المنطقة العربية والشرق آسيوية برمتها. فرغم أنه تحالف نظري لليوم لم تتكشف بعد آلياته وأدواته وأهدافه، لكنه يستمد قوته الرئيسية من الدعم الأميركي الضمني. وأميركا بذاتها تريد إعادة التموضع في الشرق العربي والآسيوي، محققة جملة من الأهداف الحيوية والعولمية، أبرزها السيطرة المباشرة على خط التجارة البرية وتحجيم الدور الصيني فيه، وإحكام السيطرة على خطوط الطاقة العالمية ومنطقة تلاقيها في مضيق هرمز، مصدر القلق العالمي اليوم.
بهذا، حتى وإن كانت أميركا تبدي امتعاضها من السياسات الإسرائيلية التوسعية من خلال تصريحات ترامب لنتنياهو، وإبلاغه عدم رضاه وموافقته على أفعاله التخريبية في لبنان وافتعال المشاكل مع سوريا وتقويض الجهود الرامية لإنجاح التفاوض مع إيران مؤخرًا، لكنهما يلتقيان بالمصلحة والهدف النهائي، وهو إحكام الهيمنة على قرارات المنطقة الاقتصادية والأمنية والسياسية، والخليج العربي محورها. تبدو كل من سوريا والأردن جزءًا رئيسيًا من هذا الاتفاق ووثيقتي المصلحة به دون الإعلان عنه، وذلك لظروف كل منهما.
أمام هذه المتغيرات السريعة والمتلاحقة، والتي باتت تُقرأ بعين التهديد المحتمل، إن لم يكن عسكريًا بشكل مباشر، لكنه تهديد للاقتصاد والأمن والاستقرار، برز الاتفاق الثلاثي السعودي الباكستاني التركي الموقع منذ أيام في مكة المكرمة. هذا التحالف ومعاهدة اتفاقية الدفاع المشترك بين هذه الدول الثلاث يعني مبدئيًا أنه تحالف القوة النووية الآسيوية الشرقية، متمثلة بباكستان، والصناعة العسكرية والتقنية الحديثة المتطورة المتمركزة بمنطقة الوصل الأورو-آسيوية، متمثلقة بتركيا، مع التمكن والعمق المالي والثقل العربي المؤثر والفاعل، متمثلًا بالسعودية.
بعض التحليلات التي تابعت هذا الإعلان قللت من شأنه وفاعليته، مستندة لعدة أدلة، أبرزها: أنه رغم التعديات الإيرانية على الخليج العربي والضربات التي تلقتها السعودية لم تتحرك باكستان في مواجهتها، وهما قد وقعت اتفاقية الدفاع المشترك بينهما نهايات العام الماضي، أضف إلى أن تصريح الخارجية التركية بأنه اتفاق لتعزيز العلاقات والتدريب والمناورات المشتركة. ويبدو في هذا جزء من الحقيقة، لكن فعليًا المعادلة تبدو أوسع من ذلك.
فكل دول الخليج العربي، وخاصة السعودية، امتصت الضربات الإيرانية لتفادي انجرارها لمعركة برية واسعة معها، ومثلها باكستان، فأي تحرك منها ومن أية دولة أخرى يعني دخولها المباشر في الحرب الدائرة في وعلى إيران، والجميع يستبعد ذلك لخطرها المحدق الذي يهدد أمن المنطقة. في حين أبدت تركيا ذات الدور الامتصاصي وعدم موافقتها على هذه الحرب، ولكنها في ذات الوقت تدرك خطر التوسع الإسرائيلي في المنطقة وتهديده المباشر لاستقرارها، خاصة في الجنوب السوري، الذي يهدد بقطع الطرق البرية العربية التركية وخضوعها للسيطرة الإسرائيلية.
ما يعني أن التحليلات التي تقلل من شأن هذا الاتفاق الثلاثي لم ترَ منه سوى الجانب الإعلامي، في حين يمثل عمقه تحولًا في إدارة ملفات المنطقة والاستعداد لمواجهة تحدياته المحتملة. فكيف وإن أضفنا الدور المصري في هذا الاتفاق، وهي مؤيدة ومشاركة ضمنًا فيه دون الإفصاح عن ذلك، حتى تحافظ على استقرارها المنضبط في معادلتها مع إسرائيل بالجوار القريب. وأيضًا تبدو كل من سوريا والأردن جزءًا رئيسيًا من هذا الاتفاق ووثيقتي المصلحة به دون الإعلان عنه، وذلك لظروف كل منهما.
فالأردن مماثلة لمصر بمعادلة التوازن والاستقرار وعدم استفزاز الجانب الإسرائيلي، وسوريا غارقة بمشاكلها الداخلية وتحاول الوصول لاتفاق أمني مع إسرائيل يحد من تغولها في الأراضي السورية ويحقق استقرارها الداخلي، خاصة في المنطقة الجنوبية والحدود الجنوبية الغربية في جبل الشيخ والجولان. كما يُقرأ هذا الاتفاق بأنه يمثل باكستان مقابل الهند، وتركيا شريكة الناتو وقوته الضاربة الثانية والمؤثرة في معادلة الناتو، والسعودية العمق العربي والهدف الرئيسي لاتفاقات السلام التي تريدها إسرائيل، وهي تحت التهديد المباشر اليوم.
وبالضرورة السؤال التحليلي المطروح: هل سيمثل هذا الاتفاق بداية تشكل محور جيوبوليتيكي إسلامي عربي مكتمل بمواجهة المحور الإسرائيلي المستجد؟ أم سيبقى بإطار الردع المحتمل لأي تطورات على المشهد العالمي والإقليمي في ذات الوقت؟ المحور الثلاثي اليوم، والذي قد يتوسع تدريجيًا عند أي تهديد مباشر، هو خطوة ومؤشر تغير قوي لم يحدث منذ decades في سياسات الردع في المنطقة من جهة، ونقطة تحول في إدارة ملفاتها وإعادة رسم ملامح القوة والنفوذ فيها بشكل متوازن من جهة أخرى.
من المبكر الحكم بنتيجة سريعة على أدوار وأهداف هذا التحالف، فهو وإن لم يشكل محورًا واضحًا بعد من حيث العمليات والأدوات المترافقة مع أي تحالف جيوبوليتيكي طارئ على المنطقة منذ ابتداعه روسيًا عام 2015، لكنه يمثل حالة ردع لتزايد المخاطر المحدقة بالمنطقة، وأهمها استفراد التفوق التقني والنووي الإسرائيلي وتحقيقها معادلة الشرق الأوسط كما نظر لها شيمعون بيرز في كتابه «الشرق الأوسط الجديد»، حيث تكون إسرائيل القوة الوحيدة في المنطقة والمتفوقة والمتحكمة بقراراته الأمنية والاقتصادية والعسكرية دون توسع عسكري مباشر، وإضعاف دول الجوار قاطبة.
بالضرورة يبدو أن هذا بات مدركًا عربيًا وآسيويًا بشكل واضح ومقروء جيدًا، هذا مع العمل على عدم التصعيد العسكري مع إسرائيل ومحاولة احتوائها دون الموافقة على شروط سياسة الأمر الواقع التي تفرضها معادلات ونتائج الحرب في إيران. المحور الثلاثي اليوم، والذي قد يتوسع تدريجيًا عند أي تهديد مباشر، هو خطوة ومؤشر تغير قوي لم يحدث منذ decades في سياسات الردع في المنطقة من جهة، ونقطة تحول في إدارة ملفاتها وإعادة رسم ملامح القوة والنفوذ فيها بشكل متوازن من جهة أخرى.
هو ليس إعلانًا لمحور قائم بذاته قد يقود لصدام عسكري، تحاول كل أطرافه تجنب خوضه، بقدر ما هو إعادة تموضع عربي آسيوي على المصالح المشتركة وتعزيز التبادل والتعاون في القدرات الذاتية لكل دولة. ما يشكل أوليًا سلاح ردع فعالًا، ومعادلة توازن القوة اقتصاديًا وتقنيًا وسياسيًا قادرة على مواجهة أي احتمال قد تتعرض له المنطقة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة