تحليل نقدي لمقال راتب شعبو: مقاربة انتقائية لخطاب الكراهية في سوريا


هذا الخبر بعنوان "ردّاً على راتب شعبو…المقاربة الانتقائية في قراءة الكراهية السورية" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يبدأ الكاتب السوري راتب شعبو مقاله “عن كراهية ظاهرة ضد العلويين في سورية” المنشور في “العربي الجديد” بتاريخ 15 أكتوبر 2026، بملاحظة تبدو صحيحة ظاهرياً حول وجود خطاب كراهية ضد العلويين في بعض منصات المجال السوري العام. إلا أن الإشكالية لا تكمن في تشخيص الظاهرة، بل في بنية التفسير التي يقدمها شعبو، والمنهج الذي يعتمده، حيث ينزلق إلى ما يمكن تسميته “المقاربة الانتقائية”. هذه المقاربة تتمثل في رؤية جزء من الصورة، وتفسير بعض الأسباب، مع إغفال معظم المسؤوليات.
يستند شعبو في تفسيراته وأحكامه إلى عينات عشوائية من منشورات وتعليقات منصات التواصل الاجتماعي، مستنطقاً الهوامش الرقمية ليبني حكماً قاطعاً بوجود “كراهية” توحي بأنها “عامة” ضد مكون بعينه. هذا النهج يتجاهل أن الظواهر المجتمعية الكبرى لا تُقاس بالصراخ الرقمي أو بحسابات تسعى للفتنة والتحريض، بل تُقاس بالمؤشرات الرصينة مثل نتائج “المؤشّر العربي” أو الملاحظات الميدانية الحية. تشمل هذه المؤشرات حركة السوريين العائدين الطوعية، وانتظام السلم الأهلي في معظم مناطق التداخل المجتمعي، وقلة الجرائم القائمة على أساس الهوية، وذلك في واقع يعج بتحديات انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة، وحداثة تشكيل الأجهزة الأمنية وضعف مواردها، بالإضافة إلى جرائم الثأر والانتقام على خلفية الاصطفافات السياسية خلال سنوات الثورة.
بالاعتماد على حقائق رقمية صلبة من “المؤشّر العربي 2025” الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وشمل 3690 مستجيباً من جميع المحافظات السورية، تكشف النتائج مفارقة جوهرية. 85% من السوريين يرون أن “خطاب الطائفية” منتشر، و84% يعتقدون أن الناس يصنفون أنفسهم والآخرين على أساس مذهبي. في المقابل، أفاد 66% من المستجيبين بأنهم لا يفرقون في تعاملهم مع الآخرين على أساس طائفي أو ديني، ونحو 70% أكدوا قبول الجوار مع أفراد من طوائف وأديان وإثنيات أخرى. يشير المؤشر أيضاً إلى أن 78% من السوريين يرون أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مكاناً لترويج خطاب طائفي، و80% يرونها مصدراً لاختلاق أخبار مزيفة. هذا يؤكد وعي السوريين بأن هذه المنصات ليست مصدراً موثوقاً للأخبار وتشكيل التوجهات. تكشف هذه الأرقام عن فارق جوهري بين فضاء المجال العام الذي يبرز فيه الاستقطاب السياسي والإعلامي، والمجال الاجتماعي اليومي الذي يحافظ على مستويات من التعايش الحيّ.
على الرغم من ذلك، يركز كاتب المقال في استخلاص أحكامه وتفسيراته على ما التقطه من هذه المنصات التي يرفض السوريون الوثوق بمعظمها. إن بناء مادة تحليلية سياسية وسوسيولوجية على تصورات “بعض” مجهولين، ثم استخلاص أحكام تفسيرية كبرى، لا يعد تعميماً فحسب، بل هو “فجوة منهجية” مستهجنة في الكتابة الصحافية والبحثية. عندما يُبقي الكاتب “البعض” مجهولاً دون تسمية أشخاص أو تيارات أو قوى سياسية، يترك لفظ “البعض” عائماً ليوحي بوجود تيار واسع، مما يمكّن الكاتب من اختراع خصم متطرف بالصفات التي تناسب رأيه، ثم تفكيكه وتحليله ليوهم القارئ بأنه يفكك ظاهرة حقيقية.
تكمن الثغرة الأكثر فجاجة في طرح شعبو في ممارسته الانتقائية تجاه تجار الكراهية الرقمية المتبادلة. فهو يندد بمنشورات صادرة عن محسوبين على المكون السني، لكنه يغفل أو يتغافل عن سيل خطاب الكراهية والوصم بالتطرف والداعشية الذي تبثه بعض الحسابات والمنصات المحسوبة على منظومة السلطة السابقة ضد الأكثرية السورية. هذه الممارسات الرقمية موجودة في كل المكونات، لكنها شاذة ولا يجوز فيها الانحياز المبطن والتركيز الحصري على رصد طرف واحد مع تجاهل تحريض الأطراف الأخرى.
يقع المقال في فخ الانحياز التأكيدي، حيث اقتنصت شواهد شاذة لدعم فرضية “المخاوف الطائفية الموروثة”، مقابل إغفال شواهد يومية تعكس وعي السوريين الجمعي، مثل اندماج الموظفين في مؤسسات الدولة دون تمييز، واستعادة حواضر الساحل والداخل لعافيتها الاقتصادية المشتركة. يكشف “المؤشّر العربي” أن 64% من السوريين يعتقدون أن الشعب السوري نجح في “الانصهار في بوتقة الأسرة الواحدة”، مقابل 12% فقط قالوا إنه لم يحصل انصهار على الإطلاق. اختار 42% “الثقافة السورية المشتركة” كأهم عامل يشكل الهوية الوطنية. يقدم المؤشر دليلاً إضافياً على نضج الوعي السوري، حيث يوافق 67% على عبارة “لا يحق لأحد أن يشكك في وطنية أي فرد من أفراد المجتمع أو انتمائه إلى الوطن لأنه معارض لسياسات الحكومة”، مما يعني أن الأغلبية السورية ترفض منطق الوصم السياسي وتنحاز إلى معيار المواطنة بدلاً من معيار الولاء.
القفز فوق كل هذه الحقائق والتركيز على خطاب “البعض” الشاذ لا يخدم سوى سرديات تربط بقاء الدولة بوجود الخوف المتبادل بين مكوناتها. الوعي الوطني السوري في مرحلة بناء نضجه، ودور نخبه حاسم في الدفع باتجاه لفظ أحقاد الحقبة الماضية وتجاوزها نحو منطق الشراكة والبناء. من أخطر ما مرره المقال هو الإيحاء بأن ملفات المحاسبة والعدالة الانتقالية وملاحقة المتورطين في الفساد أو الانتهاكات السابقة تمثل استهدافاً لمكون بذاته. تصوير المحاسبة القانونية كفعل كراهية يبدو كأنه شرعنة غير مباشرة للإفلات من العقاب، وهذا ما لا يعتقد أن الكاتب قصده، خاصة أن رؤوساً كبيرة وآلافاً من الموقوفين قيد المحاسبة هم من غير العلويين.
ليست المشكلة في مقال شعبو في تشخيصه الكراهية، بل في حدود هذا التشخيص وغايته. القراءة المتكاملة لخطاب الكراهية في سورية تتطلب الاعتراف بوجوده لدى بعض في كل الأطراف، ورفض التعميم الجماعي في كل الاتجاهات. الدعوة إلى محاسبة جميع مرتكبي الجرائم ومروجي خطاب الكراهية بغض النظر عن هويتهم، والتأكيد أن مقولة “سورية عادت إلى أهلها” تعني جميع السوريين، لا الطائفة الأسدية دون غيرها. الأوطان في مراحل خطرة كما هي حال المرحلة الانتقالية في سورية، لا تُبنى بالتيئيس وتكريس الممارسات الشاذة كما لو أنها ظواهر، ولا بالهواجس المتخيلة، بل بالعمل على نقل وعي المجتمع من “صراع البقاء الذاتي” إلى “شراكة الانتماء والبناء”، اعتماداً على العدالة والمواطنة المتساوية والإرث المشترك، والحقائق الواقعية والمؤشرات الحية، ودعم مأسسة الدولة وسيادة القانون.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة