سوريا
ثقافة

الزجاج المعشق الدمشقي: إرث عريق يتجدد ويحافظ على مكانته في العمارة الحديثة

جريدة الوطن١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٣:٣٨ م0 مشاهدة
الزجاج المعشق الدمشقي: إرث عريق يتجدد ويحافظ على مكانته في العمارة الحديثة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "«الزجاج المعشّق الدمشقي».. حرفة عريقة تقاوم الزمن وتستعيد حضورها" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يحمل فن الزجاج المعشق الدمشقي قصة تتجاوز كونه مجرد حرفة تقليدية، فهو ينسج خيوطه مع تاريخ العمارة السورية وتفاصيل البيوت الدمشقية العتيقة، ويستمر في الحضور حتى يومنا هذا رغم التغيرات التي طرأت على أساليب البناء والديكور.

وفقًا للحرفي فايز تلمساني، تعود جذور هذه المهنة إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، وكانت تُعرف في بداياتها باسم «القمرية». أوضح تلمساني أن «القمرية» كانت تعتمد، إلى جانب الجص، على شرائح من حجر الكوارتز الذي يعكس الضوء، مما جعله مناسبًا للاستخدام ليلاً للاستفادة من ضوء القمر، ومن هنا جاءت التسمية. مع تطور هذه الصناعة، خاصة في العهد الفينيقي، بدأ الزجاج يدخل في تركيبتها ليحل تدريجياً محل الحجر، وأصبح مزج الزجاج بالجص السمة المميزة لهذه الحرفة، ومن هنا جاءت تسمية «الزجاج المعشق».

أكد تلمساني لـ «لوطن» أن الحرفة ترتكز على ثلاثة أنواع رئيسية تتعلق بالمواد المستخدمة: الخشب، الجص، والرصاص. وتتنوع زخارفها بين الأشكال الهندسية والنباتية، بالإضافة إلى الخط العربي الذي يبرز في العديد من الأعمال. تنتشر نماذج الزجاج المعشق في معظم البيوت الدمشقية القديمة، حيث كانت النوافذ والأبواب والقباب والأسقف تستفيد من خصائصه الجمالية والوظيفية.

وأشار تلمساني إلى وجود فرق بين الزجاج المعشق والزجاج الملون؛ فالزجاج الملون قد تظهر ألوانه في أجزاء مختلفة من النافذة دون ارتباط بالجص، بينما يجمع الزجاج المعشق بين قطع الزجاج الملون والجص في تكوين واحد. وشدد على أن هذه الحرفة لا تقتصر على المباني القديمة، بل تتجلى نماذجها أيضاً في المساجد والكنائس ودور العبادة، كما توسع استخدامها في السنوات الأخيرة في الفنادق والمطاعم والمقاصد السياحية، وكذلك في الصالونات والمنازل الحديثة، مانحةً المكان طابعاً مستوحى من التراث الشرقي والعمارة الدمشقية.

بيّن تلمساني أن للزجاج المعشق خصائص تتجاوز الجانب الجمالي، فهو يساهم في العزل الصوتي والحراري والرطوبي، ويسمح بمرور الضوء إلى الغرف نهاراً، راسماً انعكاسات لونية على الجدران والمساحات الداخلية، بينما يمنح النوافذ ليلاً مظهراً مختلفاً بانعكاس الضوء للخارج.

وعن مراحل التصنيع، أوضح تلمساني: «يبدأ تنفيذ القطعة بالحفر على الخشب أو الجص، ثم تثبيت قطع الزجاج الملون ضمن التصميم المطلوب. تدخل في العملية قضبان الرصاص وشرائط النحاس والقصدير، حيث يتم رصف القطع وتثبيتها يدوياً وفق لوحة محددة، ما يتطلب دقة عالية وحساً فنياً وقدرة على التعامل مع الألوان والأشكال».

وشدد على أن العمل يخضع لقواعد خاصة في توزيع الألوان والأشكال الهندسية، بالإضافة إلى الزخارف النباتية المستوحاة من الأزهار والأغصان، والتصاميم التي تتضمن الخط العربي. وأكد تلمساني أن طبيعة العمل تختلف باختلاف المكان الذي ستوضع فيه القطعة، سواء كان منزلاً، مسجداً، كنيسة، قبة، أو مساحة عامة. وأضاف أن أبرز ما يميز هذه الحرفة هو قدرتها على الجمع بين الوظيفة والجمال، حيث لا تقتصر القطعة على كونها عنصراً زخرفياً، بل تصبح جزءاً من هوية المكان وذاكرته البصرية.

وعن المواد المستخدمة، كشف تلمساني أن الجص والزجاج الملون يشكلان أساس العمل، إلى جانب الخشب والرصاص ومواد التثبيت. وأشار إلى استخدام «البليكسي غلاس» في بعض الأعمال كبديل للزجاج، نظراً لتوافره بأسعار أكثر قبولاً وثبات ألوانه عند تعرضه لأشعة الشمس.

أما على صعيد التكلفة، فرأى أن تأمين المواد الأولية أصبح أكثر مرونة مقارنة بالفترة السابقة، خاصة مع سهولة نقل بعض المواد وإمكانية استيرادها، بعدما كانت تكاليف النقل والتأمين تشكل عبئاً إضافياً على الحرفيين. ولفت إلى أن سوريا كانت تضم في السابق معملاً لإنتاج الزجاج، وكان يعد من المصانع المهمة في المنطقة، قبل أن يتوقف عن العمل، مما دفع الحرفيين إلى الاعتماد بصورة أكبر على الزجاج المستورد. وأكد أهمية إعادة الاهتمام بالزجاج المعشق بوصفه جزءاً من التراث السوري غير المادي، داعياً الجهات المعنية إلى دعم هذه المهنة والترويج لها، لا سيما أن فنون العمارة السورية انتقلت نماذجها إلى مناطق مختلفة من العالم، وتشكل جزءاً مهماً من الفنون الإسلامية والشرقية.

كما دعا إلى إدخال التدريب العملي على هذه الفنون ضمن المؤسسات التعليمية والجامعات، خصوصاً كليات الفنون الجميلة والهندسة المعمارية، بما يتيح للطلاب التعرف إلى الحرف التراثية وتطبيقها عملياً، بدلاً من بقائها ضمن الجانب النظري فقط. وأشار إلى أن الحرفة ما زالت تحظى باهتمام الدمشقيين، ولم يفقد الزجاج المعشق مكانته رغم انتشار المواد الحديثة، بل دخل في استخدامات جديدة، من ديكورات الفيلات والشقق والصالونات، إلى اللوحات الجدارية والأسقف المستعارة والثريات والقباب وغيرها. وقد تعلم تلمساني هذه الحرفة في مركز الفنون التطبيقية بدمشق، بعدما التحق بالمركز في البداية لتعلم العمل في قسم البرونز، قبل أن تجذب انتباهه الألوان والأشكال البراقة للزجاج المعشق، ليقرر التوجه إلى تعلمها وإتقان تفاصيلها، وجعلها لاحقاً مصدر رزقه. وأوضح أن شغفه بالحرفة لم يتوقف عند تعلمها، بل عمل على نقلها إلى أفراد أسرته، كما درّب عدداً من الراغبين في تعلمها، وواصل بعضهم العمل معه ثم نقل ما تعلمه إلى آخرين، بما أسهم في استمرار تداول هذه المهنة بين الأجيال.

ويحرص تلمساني كذلك على المشاركة في المعارض من خلال أعمال ومنتجات مصنوعة من الزجاج المعشق، بهدف التعريف بالحرفة وتسويق منتجاتها، إلى جانب تبادل الخبرات والأفكار مع الحرفيين والفنانين المشاركين.

شارك الخبر: