نتنياهو يستغل أزمة السويداء لكسب أصوات الناخبين في الانتخابات الإسرائيلية


هذا الخبر بعنوان "نتنياهو يفتتح البازار الانتخابي بالورقة الدرزية" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحرص على الظهور بمظهر المنقذ، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات واستغلال الأزمات الإقليمية لتحقيق مكاسب سياسية. في محاولة لإعادة تقديم نفسه أمام الناخب الإسرائيلي كصانع للقرارات الحاسمة والقادر على تغيير الواقع بالقوة العسكرية، بدلاً من تقديم رؤية سياسية تسعى للتعايش والسلام مع الجوار.
هذه المرة، اختار نتنياهو أحداث السويداء السورية، مدعياً إجراء اتصال هاتفي مع الرئيس السوري أحمد الشرع، ليوحي بأن مكالمة قصيرة كانت كافية لوقف الأحداث الدامية. يتجاهل هذا الطرح تعقيدات الأزمات الاجتماعية والسياسية والأمنية التي لا يمكن حلها بمجرد مكالمة هاتفية، بعيداً عن المسارات الدبلوماسية واحترام سيادة الدول، وما تتطلبه المصالحات الوطنية من جهود طويلة ومعالجات جذرية.
السؤال الأهم لا يتعلق بصحة رواية نتنياهو أو تفاصيل الاتصال، بل بتوقيت الكشف عنه وطريقة تقديمه. هل أراد نتنياهو أن يظهر ما فعله من أجل الدروز، أم أنه رأى في القضية فرصة لتعزيز رصيده الانتخابي، مستغلاً حساسية الملف الدرزي وعلاقاته الاجتماعية العابرة للحدود؟
من الثابت أن أزمات المنطقة، بتشابكاتها التاريخية والسياسية، لا تُحل بمكالمة هاتفية أو بالقوة العسكرية وحدها. كما أن التدخل الخارجي، مهما كانت مبرراته، لا يغني عن التفاهم الوطني وبناء مؤسسات الدولة. إن محاولة تصوير حدث واحد كإنجاز شخصي حاسم تبدو أقرب إلى صناعة رواية سياسية مبسطة تتجاهل تعقيدات الواقع وتختزل معاناة السكان في مشهد يصلح للاستهلاك الانتخابي.
والأخطر من ذلك هو تحويل مأساة إنسانية، خلّفت ضحايا ونزوحاً وانقسامات اجتماعية، إلى بند في الدعاية الانتخابية. المسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي التعامل مع حماية المدنيين كالتزام بمبادئ القانون الدولي، وليس كعنوان دعائي يُستحضر عند الحاجة لأصوات الناخبين ثم يُنسى.
في هذا السياق، جاء الرد الحكومي السوري ليضع المسألة في إطار مختلف. أكدت دمشق أن المكون الدرزي جزء أصيل من النسيج الوطني السوري، ورفضت إقحامه في الدعاية والانتخابات الإسرائيلية. بل واتهمت الحكومة السورية إسرائيل بالاضطلاع بدور مخطط له في زعزعة السلم الأهلي بمحافظة السويداء، من خلال دعم جماعات مسلحة خارجة عن القانون، وفقاً لبيان مصدر حكومي نقلته وكالة الأنباء السورية. وأشار البيان إلى مواصلة العمل مع الولايات المتحدة والأردن لتنفيذ خريطة الطريق الثلاثية الهادفة إلى إعادة الاستقرار للمحافظة، وضمان حقوق السكان وأمنهم، مع المطالبة باحترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ومنع التدخل في الشؤون الداخلية السورية.
لم يقتصر الموقف السوري على رفض التدخل الخارجي، بل ذهب لاستعادة الاستقرار في السويداء ومعالجة الأسباب الداخلية التي جعلت المحافظة ساحة للتوتر، بما في ذلك حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وترميم الثقة بين مؤسسات الدولة والسكان، وضمان مشاركة جميع المكونات في الحياة الوطنية على أساس المواطنة المتساوية.
بالعودة إلى تصريحات نتنياهو، فإن اختيار بلدة يركا، ذات الأغلبية الدرزية شمالي إسرائيل، كمكان للإعلان عن الاتصال، لم يكن تفصيلاً عابراً. فالمكان والجمهور والتوقيت عناصر تمنح التصريح أبعاداً انتخابية واضحة، وتفتح الباب أمام التساؤل عن الحدود الفاصلة بين الالتزامات الأمنية المعلنة ومحاولات توظيف الانتماءات الطائفية في المنافسة السياسية. يمثل الدروز داخل إسرائيل شريحة اجتماعية ذات خصوصية، ولها حضور في المؤسسة العسكرية والحياة العامة، لذلك، فإن مخاطبتهم عبر ملف السويداء قد تحمل رسالة تتجاوز الحدود السورية، عنوانها إظهار الحكومة الإسرائيلية بمظهر الحامي لأبناء الطائفة.
الانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من تشرين الأول الجاري ستشهد تنافساً سياسياً معقداً وحسابات ائتلافية لتأمين أغلبية 61 مقعداً في الكنيست. في مثل هذه الظروف، تصبح قضايا الأمن والعلاقات الإقليمية ومواقف الناخبين من أداء الحكومة عناصر حاضرة بقوة في الحملات الانتخابية. لكن استدعاء امتدادات الطوائف والمكونات الاجتماعية خارج الحدود لأغراض سياسية داخلية يثير إشكالية أوسع، تتعلق بإمكانية تحويل الانتماءات الدينية إلى مبررات للتدخل في شؤون الدول المجاورة، وهو مسار يحمل مخاطر إضافية على المجتمعات المتعددة.
في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن حديث نتنياهو عن السويداء سيترجم إلى مكاسب انتخابية، لكن سياق الإعلان عنه يبرر التساؤل عن أهدافه السياسية. فالقضية الدرزية في سوريا أكبر من مكالمة هاتفية وأعمق من خطاب انتخابي، ومستقبل السويداء لن يتحدد من منصة دعائية في يركا، بل من قدرة السوريين على استعادة الثقة والسلم الأهلي، وبناء ضمانات وطنية تحول دون تكرار المأساة. أما تحويل معاناة الناس إلى أوراق انتخابية، فقد يمنح السياسي عنواناً عابراً في نشرات الأخبار، لكنه لا يقدم حلاً لأزمة ولا يؤسس لاستقرار دائم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة