سوريا
سياسة

مفهوم صعلكة الدول وأبعادها: قراءة في الحالة السورية

enabbaladi.net٦ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٤:٣٧ م0 مشاهدة
مفهوم صعلكة الدول وأبعادها: قراءة في الحالة السورية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "صعلكة الدول: الحالة السورية نموذجًا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مصطفى حسين بطيخة* الصعلكة مفهوم يعود إلى ما قبل الممالك والدول، حين كان الانتماء للقبيلة هو العصبية الأقوى التي توحد أفرادها الذين صنعوا لأنفسهم دستورًا قبليًا اجتماعيًا يحتكمون إليه، مثل النصرة التي تمثل نظام الحماية والأمن والانتساب، والثأر أو الدية، والوفاء بالعهد، والأمان لمن دخل في حماية القبيلة أو جوارها، وإكرام الضيف، والحفاظ على الشرف والسمعة. وكان هذا الدستور ذو جوانب أخلاقية يشرف عليها ويسهر على صونها شيخ القبيلة بمساعدة مجلس قبيلة نخبوي، بينما يُعرف الصعلوك بأنه من خرج عن هذا الانتماء والدستور.

وللصعلكة درجات، فمنهم من تصعلك رغمًا عنه بعدما قررت القبيلة خلعه وسحب نظام الحماية القبلي منه نتيجة أفعاله الشائنة كالققتل والسرقة والاعتداء على الشرف والسمعة، وممارسة هذه الجرائم خارج حدود قبيلته وضد قبائل أخرى، مما دفع القبيلة للتبرؤ منه إعلانًا لعدم تحملها جريرة أفعاله ودياته الباهظة. والنوع الآخر هو الصعلوك الذي خلع نفسه طواعية، إما ثأرًا كما فعل الصعلوك الشاعر الشنفرى حين ترك قومه لشعوره بإذلالهم وأقسم على قتل مئة رجل منهم، أو الصعلوك اليساري الذي هجر قومه لإحساسه بظلم الغني للفقير فتصعلك للإغارة على الغني لإعطاء الفقير، وأشهرهم الشاعر عروة بن الورد.

وخلاصة القول إن الصعلكة في كل حالاتها تمثل الخروج عن دستور القبيلة، ويبقى أخطر أنواعها هو الصعلوك المخلوع الذي يمثل فسادًا داخليًا يسعى لنقل فساده إلى خارج حدود قبيلته الأم، حيث يقود جماعات من شذاذ الصعاليك المخلوعين من مختلف المشارب والقبائل لمساعدته على الفساد.

وفي العصر الحديث، بدأ تشكل مفهوم الدولة الوطن كقبيلة كبيرة ضمن رقعة جغرافية بحدود معلومة تضم أفرادًا من عصبيات مختلفة دينية أو اجتماعية أو مناطقية أو قومية أو عرقية، وقد توافقوا على عقد اجتماعي وأخلاقي هو الدستور والقوانين المنظمة للعلاقة بينهم، مع الاعتراف بحق الاختلاف والتشاركية والمساواة لجميع الناس والعصبيات تحت سقف القانون.

ومن هذا التعريف، فإن صعلكة الدول تحدث عندما يقوم شخص أو مجموعة بالانقلاب على الدستور أو تغييره بشكل غير متفق عليه، ويُعد الاستبداد شرطًا لازمًا مع الصعلكة، ومع الاستبداد ينشأ الفساد الداخلي الذي يفضي بالضرورة إلى ظهور طبقة كاملة من الصعاليك الفاسدين.

وتتجلى الشكل الأفقع للدول الحديثة التي تعرضت للصعلكة بالاستبداد والفساد في الدول الأيديولوجية، التي يقودها الفرعون المستبد الأيديولوجي مستخدمًا كل وسائل السلطة والعنف لإلزام المجتمع بأفكاره الملزمة التي لا تقبل الشك، ملغيًا التشاركية التي هي جوهر الدستور، ليقوم بتشكيل جماعات من شذاذ الصعاليك الخارجين عن الدستور والقانون كميليشيات مسلحة وجهاز إعلامي وثقافي واجتماعي تابع له، ليصبح الفرعون الأيديولوجي بذلك أحق من يستحق لقب الصعلوك القائد.

إن استمرار الاستبداد لفترة طويلة يضفي على حالة الصعلكة الفاسدة طابعًا جماهيريًا تعتنقه شريحة واسعة من الشعب لاعتقادها بأنه طوق نجاة في بحر الفساد الفرعوني. ومن خلال ما سبق، ستتم دراسة الحالة السورية في المقالات المقبلة باعتبارها دولة جرت محاولة صعلكتها على امتداد تاريخها.

*مصطفى حسين بطيخة أستاذ جامعي وكاتب سوري

شارك الخبر: