سوريا
سياسة

التحديات الأمنية في سوريا وتقاطع المصالح الإقليمية نحو إعادة بناء الدولة

syria.tv٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٣٩ ص0 مشاهدة
التحديات الأمنية في سوريا وتقاطع المصالح الإقليمية نحو إعادة بناء الدولة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الفجوة الدامية وحماية الدولة" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

واجهت سوريا تحديات وتهديدات أمنية غير مسبوقة خلال الأسابيع الأخيرة، تمثلت في مجزرة مصياف، وتفجير أنابيب النفط والغاز، ومخازن السلاح. وإذا كانت ردود الفعل واضحة لجهة رفض وإدانة أي عمل إجرامي يطول أي مواطن أو مرفق في البلاد، فإن الوقوف عند هذه الأحداث والتطورات يساعد في فهم الظروف التي تمر بها سوريا، خاصة بعد المحن العصيبة التي ينبغي لها أن تشكل حافزاً على سعي الجميع، من دون استثناء، للنهوض بالبلاد ووضعها على طريق الاستقرار الذي نتطلع إليه: بلداً آمناً، يسلم فيه المواطن على بيته وملكه ومستقبل أبنائه.

لا يمكن تجاوز الحديث عن الجرائم ذات الصبغة الطائفية التي تطال المدنيين من حين إلى آخر، كي تبقي الجراح مفتوحة على آخرها، في ظل النزيف الذي يقوّض أية جهود للحيلولة دون الوصول إلى لحظة الفوضى، على الرغم من كل ما يشوب مسار العدالة بشأن الجرائم المرتكبة منذ نحو عامين حتى الآن، وما يرافق ذلك من استمرار حملات «التشدد، وتنامي الكراهية، والتمييز» بدوافع مذهبية وطائفية، وغياب المحاسبة الكفيلة بحماية المجتمع من تصاعد الجريمة، عبر إجراءات قانونية رادعة وملموسة، تمنع تحوّل تلك الجرائم إلى عنف منظم داخل المجتمع السوري، تحت يافطة الحماية والدفاع عن الوجود أو الانتقام! تمثل تلك التطورات إرباكاً حقيقياً لسلطات دمشق، وتحديات أمنية تنذر بخطورة الوضع من حيث الاستمرار أو التردي، وهذا ما يؤثر في أبعاد استراتيجية أخرى تتمثل في مشاريع إعادة بناء الدولة.

الإشارة إلى جماعات معينة في كل جريمة تحدث هي من قبيل مجانبة الموضوعية في تناول القضايا الوطنية، والهدف منها كسب الوقت، مع الإيحاء بيقظة السلطة إلى أن ينجلي الأمر. دون أدنى شك، سوف تبقى فلول النظام الأسدي تعمل على منع تحقيق الاستقرار في سوريا، ومعها كذلك كل المتضرمين والمتضررين من سقوط النظام داخل سوريا وخارجها. ومن الطبيعي أن يجري الربط بين الجريمة النكراء التي استهدفت مدنيين في حافلة، والتفجيرات الأمنية التي طالت خطوط الغاز في دير الزور وريف دمشق وقرب مطار التيفور. والربط فيما بينها يشير بوضوح إلى أن الهدف من ذلك هو زعزعة الاستقرار الذي تعيشه سوريا، وهو استقرار نسبي وهشّ بطبيعة الحال، على الرغم من أولوية الملف الأمنى لدى السلطات السورية.

المعطيات الأساسية تقود إلى تقاطع المصالح بين قوى إقليمية وداخلية تعمل على التأثير المباشر في مسار التحول خلال المرحلة الانتقالية. أولاها، الكيان الإسرائيلي، الذي ينفذ استراتيجية واضحة ومعلنة تتمثل في التدمير الممنهج للقدرات العسكرية السورية. وهذا ما يفسر – حسب اعتقادي – متوالية التفجيرات التي تطول مخازن الأسلحة التابعة لوزارة الدفاع اليوم، والتي كانت تابعة لهيئة تحرير الشام قبل ديسمبر/كانون الأول 2024. والواقع أن «إسرائيل» تقوم بتدمير استباقي للقدرات الدفاعية السورية بشكل متواصل منذ عهد الأسد وحتى اليوم. وما يعزز هذه الفرضية هو التحديات التي تواجه عملية التفاوض السورية – الإسرائيلية بشأن التوصل إلى اتفاق أمني، والتي يبدو أنها وصلت إلى طريق مسدود حالياً، على الرغم من الجهود الأمريكية في هذا الشأن.

لكن ثمة أطرافاً قد يكون لتدخلها أثر أبعد من السياسات الإسرائيلية المعروفة والملموسة، ونعني بذلك إيران، عبر أذرعها في العراق بصورة خاصة، والتي تلعب دوراً بارزاً في تفجير الأوضاع الأمنية في المنطقة بكاملها، في ظل الحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية. ويُشار هنا إلى التهديدات التي أطلقتها الميليشيات العراقية الموالية لإيران، محذرةً السلطات السورية، بذرائع دعم حزب الله، والتهديد باختراق الحدود السورية وتفعيل خلايا إرهابية نائمة، وذلك خلال شهري تموز وآب الماضيين، وهو ما يُعدّ مقدمة لما حدث من تفجيرات وجرائم استهدفت الاستقرار في سوريا.

تمثل تلك التطورات إرباكاً حقيقياً لسلطات دمشق، وتحديات أمنية تنذر بخطورة الوضع من حيث الاستمرار أو التردي، وهذا ما يؤثر في أبعاد استراتيجية أخرى تتمثل في مشاريع إعادة بناء الدولة، وخاصة في مجال الاستثمار في الطاقة، في ظل طرح مشاريع لجعل سوريا ممراً آمناً وبديلاً للطاقة، نظراً إلى العمليات العسكرية وصراعات السيطرة على الممرات المائية في الخليج العربي، من هرمز إلى باب المندب. هناك قوى أخرى لا تريد للسلطة في دمشق أن تحقق استقراراً أو عبوراً آمناً للمرحلة الانتقالية، ولذلك فهي تسعى إلى خلق الفوضى أمنياً واجتماعياً. وتتمثل هذه القوى في مجموعات تنتهج التشدد، وتحاول فرض أفكارها وتوجهاتها داخل البنية الاجتماعية، وترى في سياسات السلطة خروجاً عن المنهج الشرعي. وسواء كنا نختلف مع سياسات السلطة السورية وأدائها أم نتفق معها، فإن تلك الجماعات تعتبر نفسها شريكاً في عملية التحرير، وترى وجوب أن يكون صوتها هو الغالب. السلطة السورية تعرفها جيداً، وتملك معلومات عن قدراتها وأفكارها، وهي أيضاً تعرف مخاطر ممارساتها خارج إطار القانون.

وفيما يتعلق بتنظيم «قسد»، وعلى الرغم من إعلان حله، فإن التنظيمات الثورية المرتبطة به ما تزال قائمة ونشطة، وهي تجعل من عملية الاندماج مع السلطة السورية مهمة صعبة وغير مجدية حتى الآن، وما تزال ممارساتها «العدائية» متواصلة، خاصة في الحسكة، وتعمل على تفجير الأوضاع الأمنية قدر الإمكان لمنع تحقيق أي استقرار حقيقي في المنطقة. إن ما يحمي سوريا ويحصّنها داخلياً، ويحمي شعبها من أي تهديد أمني أو اجتماعي، ليس الإجراءات الأمنية والخطط العسكرية فحسب، وإنما يتمثل أيضاً في ضرورة استعادة الثقة التي بدأت تتآكل داخل المجتمع السوري.

لقد شكّل انسحاب الولايات المتحدة من العراق فجوةً أمنية سمحت بصعود الفصائل المسلحة في ظل فوضى السلاح. لكن فوضى السلاح تسود الساحة السورية أيضاً، حيث ما تزال كثير من الفصائل والمجموعات المسلحة – من فلول الأسد إلى تنظيم «قسد»، وفصائل سورية لم تنخرط كلياً ضمن وزارة الدفاع، فضلاً عن أفراد يمتلكون أسلحة – تشكل تهديداً للاستقرار في المنطقة. وإذا كان الجنوب اللبناني اليوم يعيش لحظة تاريخية فاصلة، فإنه ما يزال يشكل خاصرة رخوة في جنوب غربي سوريا. من هنا، تبدو مسؤوليات ومهام السلطة السورية ملحّة وجسيمة، وتتمثل في ضرورة حماية الحدود، ومنع الجماعات والقوى المسلحة العابرة للحدود من التحرك في الإقليم. كما يجب أن تبذل جهوداً أمنية كبيرة تتجاوز الاتفاقيات بين البلدان المجاورة، بمعنى أن تعتمد على تنمية قدراتها الوطنية في حماية البلاد.

إن ما يحمي سوريا ويحصّنها داخلياً، ويحمي شعبها من أي تهديد أمني أو اجتماعي، ليس الإجراءات الأمنية والخطط العسكرية فحسب، وإنما يتمثل أيضاً في ضرورة استعادة الثقة التي بدأت تتآكل داخل المجتمع السوري، وأن تسارع السلطة إلى وضع سياسات لردم الفجوة التي تتسع في جميع المجالات: المعيشية، والاقتصادية، والاستثمارية، والعدالة، والعمل على التواصل الجاد مع القوى الوطنية، والبدء بحوار وطني شامل يتناول القضايا الوطنية كافة، وأن يشعر السوريون بمواطنتهم، وبأنهم محور كل شيء في سوريا الجديدة!

شارك الخبر: