سوريا
سياسة

معركة الهوية: لماذا تعد استعادة الذات السورية شرطاً أساسياً لترسيخ الوطنية؟

حرية برس٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٣٣ م0 مشاهدة
معركة الهوية: لماذا تعد استعادة الذات السورية شرطاً أساسياً لترسيخ الوطنية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "استرداد القدرة على تأليف الذات السورية" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

ليست الذات السورية مصطلحاً مجازيّاً، بل هي تأسيس وطنيّ لا تستقيم الحياة السياسية من دونه. وبطبيعة الحال، هذه الذات السورية الوطنية ليست هبةً، بل هي مهمّة تتضمن الابتكار؛ فالبشر في السياسة يؤلِّفون ذواتهم. يكتسب هذا النقاش أهميةً كبرى في هذه اللحظة من التاريخ، حيث غاب الحديث عن المادة الأساسية التي تشكَّلت منها الذات السورية في عصرنا الراهن، أو بات لا يُستعاد إلا نادراً.

وهذه المادة كامنة، في جوهرها، في لحظة 2011؛ ليس لأنّها اللحظة التي دشّنت الثورة وصولاً إلى إسقاط الأسد، بل بوصفها، قبل ذلك وأعمق، لحظة اجتماعٍ سياسي مدني حديث سعى فيه السوريون متعاونين إلى استرداد ملكيتهم السياسية في وطنهم. وصار ضروريّاً التوقف لبيان أن ثمة من يسعى إلى تقليل حضور هذه اللحظة العظيمة لمصلحة حضور لحظة “8 ديسمبر” (2024) بوصفها اللحظة المؤسسة للجديد. وهذا الطرح يحذِّر من النتائج المترتبة على بناء سرديةٍ جديدةٍ تجبُّ ما قبلها لأنّها لحظة النصر، بحيث يصبح تهميش فكرة الثورة وتغييب الثوار السلميين عن الذاكرة العامة أمراً ممنهجاً.

يعني هذا التهميش تغوُّل سردية “ردع العدوان” على سردية الثورة السورية؛ أي تغوُّلاً جديداً لمفهوم الفصيل على مفهوم التنسيقية، وللبندقية على السياسة، وللأيديولوجيا على الوطنية. ويكتسب هذا الصراع أهمية خاصة لأنه يحدِّد نوعية السوري الذي سنصيره في المستقبل، ومدى أهليتنا الاجتماعية والسياسية لفكرة الحرية. فاسترداد الحق في تأليف الذات السورية يعني استعادة الفعل السياسي الوطني لكي نكون أمناء لتضحيات الماضي.

في الحالة السورية الراهنة، يستحيل أن يُكتَب التاريخُ بأيدي منتصرين منفردين؛ فالتاريخ إن لم يكتبه السوريون العاديون، تحوَّل الجميع إلى مهزومين. ولا يزال السوري العادي تحت سطوة ظاهرة “السوري المقلوب”، الذي يرى ذاته والدنيا كلها أيديولوجياً، فيتحوَّل فعل التفكُّرِ إلى تقليد وتصبح الفكرة هي التي تحاكم البشر. إن النصر وشرعية النصر مقاربة تقرأ التاريخ من نهايتها وتستغل لحظة 2011 لتجعلها متطابقة مع لحظة “ردع العدوان”.

ويتصل بهذا كله قدرة السوريين على العيش بدلالة المستقبل لا الماضي؛ فلا يكاد يمرُّ يومٌ من دون أن يذكر المسؤولون الجدد حقبة الأسد في المحافل الدولية. وفي العمق، يتعلَّق تأليف الذات الوطنية بأن يكون المرء قادراً على الإجابة عن سؤال “من أنا” من دون الحاجة الدائمة للبدء باسم من ظلمه. فالذاكرة الوطنية التأسيسية لا تكتفي بتذكّر كيف مات الناس، بل تنعش باستمرار سؤال: كيف كانوا يريدون أن يعيشوا أصلاً؟ وكان السؤال الجوهري في 2011: من يمتلك سورية بوصفها وطناً؟ لتكون الإجابة “سورية لينا”.

هكذا يطرح السؤال مرةً أخرى، بأن السياسة ينبغي أن تكون ملكية عمومية لا يمكن خصخصتها، لكي لا يُحرم البشر من استعادة الفرصة لتأليف ذواتهم من جديد.

شارك الخبر: