سوريا
سياسة

ولادة جمال مهيب: سوريا بعد حقبة الأسد وتحديات الانتقال السياسي

syriadirect٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:١٧ ص0 مشاهدة
ولادة جمال مهيب: سوريا بعد حقبة الأسد وتحديات الانتقال السياسي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "A terrible beauty is born: Syria after Assad" نشر أولاً على موقع syriadirect وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد مرور عشر سنوات على صدور كتاب "بلد محترق" (Burning Country)، يدرس الكاتب روبن ياسين كساب واقع سوريا ما بعد الأسد، مستعرضاً آفاق الثورة جنباً إلى جنب مع أعمال العنف، والتوترات المجتمعية، والتهديدات الخارجية التي تواجه المرحلة الانتقالية الهشة في البلاد، بقلم إدريس أحمد في 5 أكتوبر 2026.

في قصيدته الشهيرة "عيد الفصح 1916"، يصف الشاعر الأيرلندي الحائز على جائزة نوبل دبليو. بي. ييتس الثورة بأنها "جمال مهيب". تعكس هذه العبارة ازدواجية نظرة الشاعر؛ فقد كان يرى الثوريين حمقى، ويمقت العنف، لكنه في الوقت ذاته كان يعلم أن تضحياتهم قد أطلقت شرارة لا رجعة فيها وصنعت التاريخ.

الثورات جميلة، لكنها دائماً ما تولد في الظلال حيث تتربص الأمور المروعة. ففي عام 2016، عندما تعاون الكاتب السوري البريطاني روبن ياسين كساب مع ليلى الشامي لتأليف كتاب "بلد محترق: السوريون في الثورة والحرب" (دار بلوتو برس، 2016)، بدا أن الثورة في سوريا لن تنجو من تلك الظلال، لتزداد الأمور سوءاً على مدار السنوات السبع التالية.

بمساعدة سلاح الجو الروسي، والقادة الإيرانيين، والميليشيات المدعومة من إيران والتي جُندت من لبنان والعراق وأفغانستان وپاکستان، سحق النظام الثورة وحصر الناجين في جيب يتقلص باستمرار في إدلب. وبلغ اليأس ذروته في فبراير 2023 عندما ضرب زلزال المدن التي لجأ إليها ملايين السوريين المهجرين، ورأى الاتحاد العربي في ذلك فرصة لإعادة تأهيل النظام، بينما باركت أوروبا صعود الأسد طمعاً في التخلص من اللاجئين السوريين.

لكن التاريخ يتحرك بطرق غامضة؛ فقد شجع شعور الإفلات من العقاب الذي اكتسبته روسيا من تدخلها في سوريا على غزو أوكرانيا، لتتورط بذلك في حرب استنزاف طويلة. وأدى تحويل الموارد العسكرية الروسية إلى أوكرانيا إلى جلب بعض الارتياح لسوريا، تبعه ارتياح إضافي عندما أعادت إيران وحزب الله نشر قواتهما بسبب تصاعد الحرب مع إسرائيل عقب هجمات حماس في 7 أكتوبر.

أتاحت هذه الحرب فرصة للمعارضين المتمركزين في إدلب لشن هجوم على قوات النظام المحبطة، ففاجأ الهجوم الجميع بنجاحه السريع، وخلال أقل من أسبوعين انهار النظام البعثي الذي صمد لمدة 61 عاماً، وولِد "الجمال المهيب".

سرعان ما حلّت النشوة محل التشكيك، وما وصفه المفكر السوري الكبير ياسين الحاج صالح ذات مرة بـ "الثورة المستحيلة" أصبح حقيقة واقعة. فقد سقطت "مملكة الموت والجنون"، وفُرغت الزنازين، وجرى القبض على متهمين بتعذيب المعتقلين، وتوافد المنفيون إلى ديارهم بينما كان الهواء مشبعاً بالإمكانيات.

ومع عودة الأمل إلى سوريا، لا تزال المخاوف قائمة. فالثورات تتطلب اقتلاع الأنظمة القديمة، لكن النظم السياسية تستغرق عقوداً لتحقيق الاستقرار ومواجهة التحديات الخاصة بكل مكان وزمان. وبعد مرور عشر سنوات على كتاب "بلد محترق"، أصدر روبن ياسين كساب كتاباً جديداً بعنوان "الدماء التي بيننا: سوريا بعد سقوط الأسد" (دار الساقي، 2026)، والذي يمثل خلاصة ثاقبة لتقلبات الثورة وحساباً دقيقاً للعام التالي لسقطو الأسد من خلال التقارير الميدانية والمحادثات مع مختلف الأطراف.

يجادل ياسين كساب بأن سوريا تواجه ثلاثة تحديات داخلية كبرى وتهديداً خارجيّاً واحداً يعقد جميع مشاكلها، وقد تجسد حجم هذه التهديدات في اليوم الأول لسقوط الأسد عندما شنت إسرائيل غارات جوية واسعة النطاق لتدمير القدرات الدفاعية السورية.

ومنذ نشأتها، حاولت إسرائيل التعامل مع مخاوفها الوجودية عبر "عقيدة الأطراف" المتمثلة في إبقاء دول الجوار العربية ضعيفة، ومصادقة الدول غير العربية مثل تركيا وإيران، واستخدام الأقليات كأوراق ضد الحكومات المركزية. ونظراً للنوايا العدوانية الإسرائيلية المعروفة، تواجه الحكومة السورية الجديدة تحدي بناء سلطة مركزية دون نافذة تتيح استغلال الأقليات.

وكما يوضح ياسين كساب من خلال أحداث مقلقة، فإن اللجوء السريع للحكومة الانتقالية إلى استخدام القوة أدى إلى تآكل حسن النية الذي تمتعت به في البداية. فقد تجلت هذه التوترات في انتفاضة مارس 2025 والاشتباكات في السويداء في يوليو، مما منح إسرائيل ذريعة للتدخل ضد قوات الحكومة.

تكمن قوة كتاب ياسين كساب في قدرته كروائي على تبني منظور منصف ومتوازن، فهو يقدم مخاوف وشكوك خصوم الثورة بعدالة وتعاطف، مستكشفاً الغموض والتعقيد بعيداً عن اليقينيات المطلقة. ويشير إلى أن سوريا ستظل عرضة للخطر طالما ظلت مجتمعاتها رهينة لسياسات الهوية المظلومة، وكل ذلك سيصبح ثانوياً عندما يبدأ "العدو الأقوى للاستقرار السوري" في فرض نفسه، ألا وهو تغير المناخ.

شارك الخبر: