سوريا
سياسة

من إدارة الوجدان إلى سياسة البرامج.. التحديات البنيوية لمسار الانتقال في سوريا

syria.tv٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:١٣ ص0 مشاهدة
من إدارة الوجدان إلى سياسة البرامج.. التحديات البنيوية لمسار الانتقال في سوريا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من إدارة المشاعر إلى سياسة البرامج.. استحقاقات الانتقال السوري" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

شكّلت المشاعر الجمعية، من غضب من الظلم، وأمل، وخوف، وفقدان، وحنين، قوة اجتماعية وسياسية فاعلة خلال سنوات الثورة السورية، ولم تكن مجرد انعكاس لما جرى، بل أسهمت في تكوين الوعي الجمعي، وفي التعبئة والصمود، ومنحت التضحيات معنى. وليس ذلك استثناءً سورياً؛ ففي المجتمعات التي تعبر الحروب والثورات والأزمات الوجودية، تتقاطع الأسئلة السياسية مع الأسئلة الوجدانية: من ظلمنا؟ من وقف معنا؟ من خذلنا؟ ومن دفع الثمن الأكبر؟ وهي أسئلة مشروعة وضرورية لفهم الماضي.

لكنها تنتمي، في جانب أساسي منها، إلى منطق الذاكرة، أما بناء الدولة فيبدأ حين يتغير السؤال من: ماذا حدث لنا؟ إلى: ماذا سنفعل بما حدث لنا؟ وعند هذه النقطة يصبح الانتقال من السياسة الوجدانية إلى سياسة البرامج استحقاقاً بنيوياً، لا مجرد تغيير في لغة الخطاب. السياسة الوجدانية نمط تصبح فيه المشاعر والذاكرة مرجعاً أساسياً في تحديد الأولويات، وتعريف الحلفاء والخصوم، ومنح الشرعية، أما سياسة البرامج فتقوم على تحديد الأهداف، وترتيب الأولويات، واختيار الأدوات، وتوزيع المسؤوليات، وقياس النتائج، وربط السلطة بالمحاسبة.

والفارق بينهما في الوظيفة لا في القيمة الأخلاقية؛ فالغضب من الظلم لا يصير عدالة إلا عبر قضاء مستقل ومؤسسات، والكرامة لا تظهر في الخطاب بل في علاقة المواطن بالإدارة ومستوى الخدمات، والحرية لا تستقر حقاً إلا حين تحميها قواعد يمكن الاحتكام إليها. فالمشكلة ليست في المشاعر، بل في بقائها الأداة الوحيدة لإنتاج السياسة. أنتجت سنوات الصراع أنماطاً قائمة على التعبئة والحشد والاستجابة للتهديد، وهي مفهومة في ظروفها، لكن أدوات التحرر ليست بالضرورة أدوات البناء؛ فمنطق التعبئة لا يكفي لإدارة الاقتصاد، والانتصار الرمزي لا يعني القدرة على إدارة التعليم والصحة والطاقة.

ولذلك يتطلب الانتقال تغيراً في منطق العمل السياسي نفسه: من التعبئة إلى التنظيم، ومن رد الفعل إلى التخطيط، ومن الخطاب إلى السياسة العامة. وتتغير معها معايير النجاح: كم فرصة عمل أُنشئت؟ كيف تطور التعليم؟ هل أصبحت المؤسسات أكثر كفاءة؟ هل تحسنت الخدمات؟ وهل استعادت الدولة ثقة مواطنيها؟ هذه الأسئلة تمس جوهر الشرعية؛ فالرصيد الوجداني الذي يستند إلى التضحيات والتمثيل الرمزي يمكن أن يتآكل بمرور الزمن ما لم يُترجم إلى نتائج ملموسة.

من «الفزعة» إلى الخطة الوطنية تبدأ الحكاية غالباً بـ«فزعة»: مخيم يحتاج إلى التدفئة، ومريض يحتاج إلى العلاج، وسرعة الاستجابة دليل على متانة النسيج الاجتماعي، وهي واجب إنساني لا يُنتقص منه. غير أن السؤال السياسي الذي يتجاوز كل حالة هو: أين موقع هذه الاحتياجات من خطة وطنية تحدد حجمها وأولوياتها ومصادر تمويلها والجهة المسؤولة عنها؟ فالدولة لا تُدار بمنطق الطلبات المفتوحة، وحين تصبح كل أزمة مناسبة لحملة جديدة، يظهر أن الاحتياجات ما زالت تُعالج بمنطق الطوارئ.

يمتد هذا التحول إلى النخب والإعلام والمجتمع المدني. ففي زمن الصراع كان دور كثير من الفاعلين التعبير عن الوجدان الجمعي والتعبئة، أما في بناء الدولة فيُطلب من السياسي تقديم بدائل، ومن الباحث إنتاج معرفة تساعد على اتخاذ القرار، ومن الإعلام مساءلة السياسات وقياس نتائجها، ومن المجتمع المدني الرقابة واقتراح الحلول. وهذا لا يلغي السياسة، بل يعيدها إلى وظيفتها: إدارة الاختلاف حول المصالح والأولويات والموارد ضمن قواعد ومؤسسات مشتركة.

تواجه سوريا اختباراً يتجاوز تغيير موازين القوة؛ هو تحويل الرصيد الأخلاقي والسياسي الذي تراكم خلال سنوات الثورة إلى مؤسسات وسياسات تحسّن حياة الناس. والانتقال من الشرعية الوجدانية إلى الشرعية الإنجازية لا يعني التخلي عن المبادئ والتضحيات، بل أن تصبح هذه المبادئ أساساً لدولة تحقق نتائج ملموسة، عبر برامج واضحة في الاقتصاد والتعليم والصحة والطاقة والعدالة وإعادة الإعمار، وحياة سياسية تسمح بمناقشتها ومساءلة أصحابها.

شارك الخبر: