سوريا
سياسة

انهيار النموذج التاريخي لإسرائيل: قراءة تحليلية في تراجع المشروع الصهيوني وعزلته الدولية

syriahomenews٢٩ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٧:٢٥ ص0 مشاهدة
انهيار النموذج التاريخي لإسرائيل: قراءة تحليلية في تراجع المشروع الصهيوني وعزلته الدولية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "انهيار الأنموذج التاريخي" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

كتب محمد خير الوادي: وقف نتنياهو على أعلى قمة في جبل الشيخ المحتل، متباهياً بقوته، مرسلاً رسالة للجميع مفادها أنه بات الحاكم الفعلي للشرق الأوسط! ومن أعلى منبر دولي، افترى نتنياهو على التاريخ، وأعلن أن الجولان هو ملك لإسرائيل، لأن اليهود يعيشون فيه منذ عهد موسى! حركات مسرحية يقوم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي لبث الخوف وزرع اليأس في نفوس السوريين والعرب ودفعهم للتسليم بترهاته تلك. وبموازاة ذلك كله، يعشق نتنياهو تصوير إسرائيل على أنها إسبرطة القرن الواحد والعشرين ليؤكد على جبروتها وسطوتها.

وهناك من يفسر تباهي نتنياهو هذا بأنه نوع من الدعاية الانتخابية سينتهي مفعولها بعد الانتخابات، ولكنني أرى الأمر من جانب آخر، فتبجحات نتنياهو هذه لا تصدر عن ثقة بالنفس، بل هي تعبير عن عمق القلق الذي يجتاح اليوم قادة الكيان الصهيوني كلهم. وقبل الشروع في ذلك، لا بد من التأكيد على نقطة هامة، وهي أن المشروع الصهيوني الذي يتحدث نتنياهو باسمه اليوم قد وصل إلى قمة تطوره، وهو اليوم يبدأ مسيرة الانحدار، وهذا الهبوط لن يتم بين ليلة وضحاها بل سيأخذ مسافة من الزمن تتأثر سرعتها باكتمال المخاض الذي تشهده المنطقة اليوم.

لقد قرأت بتمعن خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وخلصت إلى نتيجة مفادها: هناك تغيير جوهري في سردية رئيس الوزراء الإسرائيلي، فهو قد انتقل من التباهي الدائم بقوة إسرائيل وقدرتها المطلقة على فعل كل ما تريد إلى الحديث عن أن الكيان أصبح اليوم ضحية وأنه يقف وحيداً ولكنه لا ينحني. وإذا كان نتنياهو قد أراد من هذا التحول الخطابي التغطية على الجرائم التي اقترفها هذا الكيان في فلسطين وسورية ولبنان وإنكار هذه الجرائم واستدرار عطف العالم، فإنني أرى أن هناك سبباً آخر لهذا التحول، وهو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي اضطر لذلك لمواجهة العزلة الدولية التي بات يعاني منها الكيان الصهيوني وللتكيف مع واقع آخر هو نفاد الذخائر الإعلامية من الترسانة الصهيونية الدعائية.

لقد سحبت الجرائم التي اقترفها الجيش الإسرائيلي البساط من تحت أقدام المقولة التي كان يرددها نتنياهو دائماً وهي أن جيشه أكثر جيوش العالم أخلاقاً! كما انتهت صلاحية مقولة أخرى تسلح بها الكيان عقوداً طويلة واستخدمها للحصول على الدعم والإسناد الغربيين، وهي أن إسرائيل أصبحت جزءاً من الغرب وحارسة مصالحه في المنطقة. فالغرب يتنصل اليوم من ممارسات إسرائيل المنافية لقيمه في الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان. كما تبخرت، تحت وقع أفعال المستوطنين والعنصريين الحاكمين الآن في إسرائيل، مقولة أخرى مفادها أن إسرائيل هي واحة الديمقراطية في المنطقة.

وشاهد العالم كيف تم لي عنق النظام القضائي في إسرائيل واضطهاد أعضاء الكنيست العرب ومحاصرة المقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية، وكيف بات التطرف الديني هو المسيطر على القرار في إسرائيل على حساب العلمانية. وأهم ما أزعج نتنياهو أن سيف العداء للسامية الذي رفعته الصهيونية في وجه كل ناقد لإسرائيل قد أصبح مثلوماً ولا يخيف أعداء إسرائيل. كما يراقب نتنياهو برعب ملايين المتظاهرين التي غصت بهم شوارع أوروبا وأمريكا تنديداً بإسرائيل، وهو يرى كيف يتضاءل النفوذ الإسرائيلي في الأحزاب الأمريكية وكيف باتت كلمة إسرائيل شبهة مخيفة في عدد من المدن الأمريكية.

كما يراقب نتنياهو بقلق كبير ما يجري في أوروبا، حيث تقود ثلاث دول أوروبية هي إسبانيا وسلوفينيا وإيرلندا حملة داخل أوروبا لتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، بينما تلغي إيطاليا اتفاقية الدفاع المشترك مع إسرائيل احتجاجاً على جرائم الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين، وتتخذ بريطانيا عقوبات تاريخية ضد المستوطنات الإسرائيلية. وفي ألمانيا يتصدع الائتلاف الحاكم، وقد وصل الأمر إلى حد أن الحزب الحاكم لم يتمكن من دخول برلمان العاصمة برلين بسبب دعمه لإسرائيل وتخاذله المشين. كما تتصدر الأحزاب اليمينية والنازية المعادية بأغلبيتها لإسرائيل المشهد السياسي في القارة العجوز وتحقق نجاحات كبيرة.

ويرى نتنياهو كذلك كيف تنتشر كالنار في الهشيم موجة مقاطعة الجامعات الإسرائيلية من جانب الأوساط الأكاديمية الأوروبية، وكيف فجرت الضغوط الإسرائيلية على الجامعات الأمريكية نقمة الطلاب هناك وغضبهم. وبالمحصلة يلمس نتنياهو كيف تحول الرأي العام في أمريكا وأوروبا من داعم لسلوك إسرائيل إلى مطالب بإنزال أقسى العقوبات بها، ولا يفارق نتنياهو للحظة واحدة قرار محكمة العدل الدولية الذي اعتبره مجرم حرب وطالب باعتقاله. وقد ذعر نتنياهو من رؤية منظر تراجع الدعم الدولي له ولإسرائيل، ولذلك يحاول الالتفاف على ذلك عبر بث الحياة في مقولة إن إسرائيل هي الضحية المحاصرة بمحيط من العداء والتوحش.

ويشير هذا كله إلى تخبط سياسي واضح للحكومة الإسرائيلية التي تخشى فعلياً عواقب تلك التطورات الوخيمة. وأختم هذه الفقرة بكلمات آفي بازنر سفير إسرائيل السابق في كل من فرنسا وإيطاليا الذي قال: تواجه إسرائيل اليوم عزلة سياسية دولية تشبه العزلة التي عانت منها جنوب إفريقيا إبان نظام الفصل العنصري منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وهذه التطورات كلها أجبرت نتنياهو على الانتقال في سرديته من موقع التفاخر بقوة جيشه المطلقة إلى تقديم إسرائيل ضحية ودولة صغيرة تحتاج الدعم والتعاطف!

وكوابيس نتنياهو لم تنته هنا، فقد أظهرت الحرب على إيران أن إسرائيل عاجزة لوحدها عن شن حروب كبيرة، لا بل إن إسرائيل قد تحولت في تلك الحرب إلى عبء على أمريكا، ولذلك استبعدها ترامب من فعالياته العسكرية كي لا تعرقل خططه. هذا هو وضع إسرائيل الحقيقي والذي يجب أن نعرفه بعمق كي لا نقع ضحية لتضليل نتنياهو وعنترياته. باختصار، المشروع الصهيوني بدأ يفقد مواطن قوته واحداً تلو الآخر والزمن ليس في صالحه. وفي هذا الخصوص أقول إن الأزمة التي تعاني منها اليوم الصهيونية لا تعني أن هذا المشروع العدواني سينتهي من تلقاء نفسه، فقد تفاقمت أزمة المخططات الصهيونية بسبب الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني والثورة السورية المباركة التي أطاحت بنظام الأسد الذي سكت عن أفعال واعتداءات الكيان الصهيوني عقوداً كثيرة.

وأختم بالقول إن رياح الزمن لا تهب في صالح أشرعة الصهيونية التي سيبتلعها يم الزمن مثل غيرها من الحركات والمشروعات الاستعمارية. ومن السذاجة بعد ذلك حتى مجرد الافتراض باستدامة المشروع الصهيوني والتراجع أمامه والتسليم بوجوده. لقد انهارت إسبرطة التي اعتبرها نتنياهو أنموذجاً تاريخياً لإسرائيل ولم يبق من آثارها سوى الاسم، وهذا هو المصير المحتوم للمشروع الاستعماري الصهيوني.

شارك الخبر: