حين يتحول الرئيس إلى مرشح: تأملات في مستقبل سوريا السياسي والديمقراطي


هذا الخبر بعنوان "حين يصبح الرئيس مرشحًا…" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بينما كنت أتصفح الأخبار، وصلني مقطع فيديو يظهر فيه أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في المجلس الأطلسي بنيويورك في الثاني والعشرين من أيلول لعام 2026، وهو يُسأل عما إذا كان ينوي ترشيح نفسه للرئاسة عند وصول سوريا إلى محطة الانتخابات. أجاب بأنه لم يفكر في الأمر بعد، مشيراً إلى أن أمامه ثلاث سنوات من المرحلة الانتقالية، وأنه إذا كانت المهمة تتطلب وجوده حينها فلن يتجنب ذلك.
في تلك اللحظة، كان ابني يستمع بجانبي، وسألني ببراءة الأطفال عن أمور نظن نحن أنها تحتاج إلى كتب كاملة للإجابة عنها: "ماما، إذا ترشح الرئيس، إنتِ بتنتخبيه؟" لم أجبه، ليس حرجاً ولا خوفاً من إعلان موقف تجاه أحمد الشرع، بل شعرت أن الإجابة بنعم أو لا ستختصر سؤالاً أكبر بكثير من الشخص الظاهر على الشاشة. للمرة الأولى، يدرك طفل سوري أن رئيس الدولة قد يكون شخصاً يدخل انتخابات ويطلب صوتاً يمكن لأمه أن تمنحه إياه أو تحرمه منه.
إن جيلاً كاملاً من السوريين لم يعتدِ السياسة بهذه الطريقة. لقد عرفنا الرئيس دائماً من موقعه في قمة هرم الدولة، حيث يُرتب كل شيء تحته، ولم نعهده مرشحاً يقف قبل المنصب ليسأل المواطنين عن رغبتهم فيه. وحتي اللحظة، لا توجد تفاصيل واضحة ترسم شكل تلك الانتخابات، فالإعلان الدستوري يحدد المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، لكنه ليس دستور البلاد الدائم، ولا نعلم طبيعة النظام السياسي المستقبلي ولا حجم صلاحيات منصب الرئيس.
وقد أكد الشرع نفسه في ذات اللقاء أن المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن تكون نموذجاً دائماً للدولة، بل يجب أن تحولت السلطة إلى مؤسسة لا فرد. إن المشكلة السورية لم تكن يوماً متمثلة في الأسماء، بل في اتساع المسافة التي تصبح فيها شخصية الحاكم أوسع من المؤسسة والقانون.
وعندما ننظر إلى دول الجوار، نرى تنوعاً كبيراً؛ فالأردن دولة ملكية وراثية ذات نظام برلمان، ولبنان جمهورية برلمانية يُنتخب رئيسها عبر مجلس النواب، وفي العراق ينتخب البرلمان الرئيس لا الناخبون مباشرة. أما الفلسطينيون فآخر انتخابات رئاسية لهم كانت في عام 2005، بينما تعتمد تركيا على الاقتراع المباشر. لذا، فإن اختيار سوريا لرئيسها عبر الاقتراع المباشر لن يجعلها وحدها ديمقراطية، لكنه سيمثل تحولاً كبيراً في منح السوريين حق التصويت المباشر لأعلى سلطة تنفيذية.
يبقى الاختبار الأصعب لأي رئيس سوري مقبل هو مدى قبوله بأن يصبح فوزه غير مضمون، وأن يقبل بوجود إعلام ينتقده، وقضاء مستقل، ومجلس تشريعي يراقبه، ومنافسين حقيقيين. إن الديمقراطية الحقيقية لا تعد بالحاكم المثالي، بل تمنح الناس موعداً لتصحيح خياراتهم. وفي النهاية، عاد ابني ليسألني مجدداً، فأجبته بأن وصولنا إلى يوم يمكنه فيه طرح هذا السؤال بجدية يعني أننا امتلكنا شيئاً أثمن من أسماء الرئاسة: لقد أصبح لدينا صوت حقيقي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة