معضلة الانتقال الاقتصادي في سوريا: التوازن بين متطلبات السوق وأمن المجتمع المعيشي


هذا الخبر بعنوان "صدمة الانتقال.. موازنة متطلبات اقتصاد السوق وضمانات الأمن الاجتماعي" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تعيش سوريا في هذه المرحلة حالة اصطدام صعب لتطلعات شعبها بجدار الواقع المعقد في كل المجالات، خاصة الواقع الاقتصادي والمعيشي. فبعد سنوات طويلة من هيمنة نموذج الاقتصاد الموجّه، الذي راكم البيروقراطية والفساد والاحتكارات، وجدت القيادة السورية في المرحلة الانتقالية نفسها أمام خيارين؛ إما الاستمرار في آليات الماضي البائدة التي أثبتت فشلها، أو اعتماد اقتصاد السوق، مع ما تحتمله هذه الخطوة من مخاطر في بلد يعاني الدمار في مختلف القطاعات.
ورغم جدارة الخيار الثاني وحتميته، فإنه يحمل في طياته مخاطر جمّة، إذ إن الانتقال السريع نحو التحرير الاقتصادي أنتج صدمة اجتماعية تفوق قدرة المجتمع على الاحتمال، ما يضع الجميع أمام سؤال كبير حول كيفية الانتقال إلى اقتصاد السوق من دون أن تفقد الدولة وظيفتها الاجتماعية، ودون أن يهدد هذا النموذج الأمن المعيشي والمجتمعي الذي يشكّل أساس الاستقرار الأمني.
ولا يمكن فهم تحديات المرحلة الراهنة بمعزل عن الإرث الاقتصادي المتراكم؛ فقد أنتج الاقتصاد الموجّه على مدى عقود بيروقراطية ضخمة وشبكات احتكارية متجذرة وقطاعاً عاماً تحوّل تدريجياً من أداة تنمية إلى عبء مالي وإداري. والأخطر من ذلك أن الفساد كان جزءاً أصيلاً من بنية هذا النظام، إذ تحوّلت مؤسسات الدولة إلى ساحات لتوزيع الريع، وتشوّهت قواعد المنافسة لصالح فئات متنفذة راكمت ثرواتها تحت مظلة الحماية الرسمية.
هذا الإرث الثقيل يجعل الانتقال نحو اقتصاد السوق أكثر إرباكاً، فالبنى الاحتكارية القديمة لم تختفِ، بل أعادت تشكيل آلياتها وأدواتها وأسماءها في اقتصاد الحرب. وبالتالي، فإن فتح السوق دون تفكيك هذه الشبكات أولاً لن يُنتج منافسة حقيقية، بل سيمنح هذه الفئات امتيازاً جديداً وشرعية قانونية تحت مسميات الخصخصة والاستثمار والتحرير الاقتصادي.
وقد شهدت سوريا مؤشرات ميدانية ملموسة تعكس عمق الأزمة، فبعد قرار رفع تعرفة الكهرباء في تشرين الأول 2025، شهدت عدة مدن سورية وقفات احتجاجية تعتبر الكهرباء حقاً وليست رفاهية. وبحسب وزارة الطاقة السورية، كان الهدف جذب المستثمرين إلى قطاع يعاني خسائر تقدر بمليار دولار سنوياً، لكن هذا التبرير اصطدم بواقع أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، و66% منهم في فقر مدقع.
ثم جاءت صدمة الارتفاع الكبير في أسعار مشتقات الوقود لتكون الأقسى، مسببة احتجاجات شعبية هي الأوسع منذ الإطاحة بنظام الأسد، وتحوّلت المطالب لتعكس إدراكاً شعبياً بأن الأزمة ناتجة عن سوء إدارة الملف المعيشي وغياب شبكات الأمان الاجتماعي. وتكمن الخطورة في اندلاع هذه الاحتجاجات في مناطق تُوصف بأنها حاضنة للثورة وداعمة للدولة وقيادتها، مما يشير إلى أزمة ثقة بسياسات الدولة، ويجعل شرعية الحكومة مرتبطة بالقدرة على تأمين الأمن المعيشي.
وأمام هذه المعضلة، فإن العودة إلى الاقتصاد الموجه غير صائبة، والاندفاع نحو الرأسمالية المنفلتة هو وصفة لكارثة اجتماعية. والبديل الواقعي يكمن في نموذج اقتصادي تنموي يوازن بين ديناميكية السوق وعدالة التوزيع، مع احتفاظ الدولة بأدوات رقابية وتنظيمية ذكية تشمل قوانين مكافحة الاحتكار، ونظاماً ضريبياً تصاعدياً عادلاً، والتحول إلى الدعم النقدي المباشر للأسر الأشد فقراً.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد