كيف تعيد المناطق الحرة صياغة مسار التجارة والاستثمار بين سوريا وتركيا؟


هذا الخبر بعنوان "المناطق الحرة تعيد رسم مسار التجارة السورية – التركية" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أجرى وفد الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية زيارة رسمية إلى ولاية مرسين التركية، بهدف تأسيس منظومة تجارية ولوجستية متكاملة تشمل الموانئ والمناطق الحرة، إلى جانب قطاعات النقل والطاقة والاستثمار. وهدفت الزيارة إلى الاطلاع على الخبرة التركية في تطوير المناطق الحرة وجذب الاستثمارات وتفعيل التبادل التجاري، وشملت جولات ميدانية في ميناء مرسين والمنطقة الحرة بالإضافة إلى عقد لقاءات مع مسؤولين ورجال أعمال.
وفي هذا السياق، أوضح الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية باسل كويفي، في تصريحات لـ”الوطن”، أن هذه الخطوة تمثل تحولاً نوعياً في العلاقات السورية–التركية، من إطار التصريحات السياسية إلى تأسيس شراكات مؤسسية ولوجستية واضحة المعالم. وأشار إلى أن التعاون في مجالات الموانئ والجمارك والمناطق الحرة يساهم بشكل رئيسي في إعادة التموضع الاقتصادي لسوريا داخل المنطقة.
وأكد كويفي أن ولاية مرسين تشكل نموذجاً عملياً ناجحاً في إدارة الموانئ والمناطق الحرة بفضل تكامل النشاط الصناعي والتجاري والخدمات اللوجستية وحركة الشحن البحري. وتبرز هنا أهمية مواءمة هذه التجربة مع الموانئ والمناطق الحرة السورية، لا سيما في اللاذقية وطرطوس، فضلاً عن المراكز الصناعية والتجارية في حلب وإدلب، مما يسهم في خفض زمن التخليص الجمركي ورفع كفاءة تدفق البضائع.
وخلال الجولة، اطلع الوفد السوري على الآليات التشغيلية للميناء وعمليات مناولة الحاويات والتقنيات الحديثة لتسريع حركة السفن، وهي خبرات تسعى سوريا للاستفادة منها في خطط إعادة تأهيل وتطوير بنيتها التحتية المينائية والمناطق الحرة.
وتأتي هذه التطورات في ظل نمو ملحوظ في حجم التجارة السورية–التركية، حيث بلغ حجم التبادل التجاري نحو 3.75 مليارات دولار خلال عام 2025، مسجلاً معدل نمو اقترب من 45 بالمئة، واستمر هذا التصاعد خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026. ورغم هذا الارتفاع، يشير التباين في الميزان التجاري إلى استمرار استحواذ الصادرات التركية، وخصوصاً المواد الغذائية ومواد البناء والآلات والكيماويات، على حصة كبرى من السوق السورية مقابل تواضع الصادرات السورية.
ويتمثل التحدي الأبرز في كيفية تحويل هذا النمو في التبادل التجاري إلى شراكة متوازنة تعزز القدرة التصديرية للمنتج السوري، بحيث لا تقتصر الاستفادة على زيادة حركة الشاحنات والمعابر، بل تمتد لتشمل تمكين القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية في سوريا من النفاذ إلى الأسواق التركية والإقليمية، واتخاذ المناطق الحرة قواعد للإنتاج والتصدير.
ولا يقتصر التعاون المرتقب على التجارة التقليدية، بل يمتد ليشمل مجالات النقل والطاقة والربط الإقليمي. وأوضح كويفي أن تشغيل خط الغاز الرابط بين كيليس وحلب مثل دعماً أساسياً لاحتياجات الطاقة في سوريا، بينما تتواصل الجهود لتطوير مشاريع الربط السككي وتحديث المعابر الحدودية ضمن رؤية استراتيجية لربط تركيا بسوريا والأردن وصولاً إلى أسواق الخليج العربي.
ويؤدي هذا التكامل إلى استعادة سوريا دورها التاريخي كممر ترانزيت يربط البحر المتوسط بالخليج، لتصبح الموانئ والمعابر والمناطق الحرة عناصر أساسية في البنية التحتية المؤثرة على مكانة الدولة الإقليمية. وفي المقابل، شدد كويفي على أن نجاح هذه الخطط يتطلب تحديثاً متزامناً للبيئة التشريعية والتنظيمية، وخاصة القوانين الجمركية وإجراءات الاستثمار، لضمان توفير الوضوح القانوني واستقرار السياسات للمستثمرين.
وتعد زيارة مرسين محطة بارزة ضمن مسار أوسع لإعادة صياغة الروابط السورية–التركية على أسس اقتصادية ومؤسسية، يبقى النجاح فيها رهناً بمدى قدرة سوريا على تطوير بنيتها التحتية، وتحسين تنافسية إنتاجها، وتحويل موقعها الجغرافي إلى عائد اقتصادي حقيقي يحقق قيمة مضافة ويدعم الصادرات وجذب الاستثمارات.
اقتصاد
اقتصاد
سياسة
اقتصاد